العدد : ١٥٢٨٢ - السبت ٢٥ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٣٠ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٨٢ - السبت ٢٥ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٣٠ جمادى الاول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

القرآن.. والكتب المقدسة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

ما الفرق بين القرآن الكريم والكتب المقدسة الأخرى؟ للإجابة عن هذا السؤال يلزمنا تتبع الفروق التي يتميز بها القرآن الكريم عن غيره من الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين، وهي جلية واضحة، ومن هذه الفروق، وهو الأعظم من بينها أن الكتب التي سبقت القرآن، وهي: الزبور الذي أنزل على نبي الله داود (عليه الصلاة السلام)، والتوراة التي أنزلت على نبي ًالله موسى (عليه الصلاة والسلام)، والإنجيل الذي أنزل على نبي الله عيسى (عليه الصلاة والسلام)،هذه الكتب لم يتول الله تعالى حفظها، بل جعل حفظها تكليفًا للأمم التي بعث فيها هؤلاء الأنبياء الكرام، فلم يرعوها حق رعايتها، ولم يحافظوا عليها من التبديل والتغيير، بل كتبوا الكتب ونسبوها إلى الله تعالى زورًا وبهتانًا، قال تعالى: «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون» (البقرة/ 79).

ومن الفروق أيضًا: أن القرآن الكريم يجمع بين المعجزة والتشريع بينما الكتب الأخرى المعجزة غير التشريع، فمعجزة موسى مثلاً هي العصا التي تنقلب إلى حية، وكتابه التوراة، ومعجزة عيسى إبراء الأكمه والأبرص والأعمى، وكتابه الإنجيل.

ومن الفروق أيضًا: أن القرآن الكريم هو النص الوحيد الذي تحدى به الله تعالى الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مفتريات من مثله، أو حتى بسورة واحدة، وحكم الحق سبحانه وتعالى باستحالة ذلك، قال تعالى: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» الإسراء/ 88.

أيضًا هناك فرق عظيم بين القرآن الكريم وغيره من الكتب المنزلة على أنبياء الله ورسله (صلوات الله وسلامه عليهم)، وهذا الفرق هو في أن الله تعالى جمع في القرآن ما لم يجمع في غيره، فجعل القرآن يحمل في آياته وسوره الشريعة والمنهاج، يقول سبحانه وتعالى: «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرًا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون (50)» المائدة. 

أيضًا القرآن الكريم على خلاف الكتب المنزلة الأخرى هو بمثابة المرجع الأصيل، والوحيد لتاريخ الأنبياء والرسل الكرام، بل هو سجل جامع مانع لتاريخ البشرية، وبهذا النص المعجز الخالد سوف تستعين الأمة الإسلامية حين يطلب منها الحق سبحانه وتعالى ان تقدم شهادتها للفصل بين الأنبياء وأقوامهم، فعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: من يشهد لك، فيقول: محمد (صلى الله عليه وسلم) وأمته، قال صلى الله عليه وسلم: فيشهدون أنه قد بَلَّغ، ويكون الرسول عليهم شهيدا، فذلك قوله: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..» (البقرة/ 143). صحيح ابن حبان.

ولولا القرآن المعجز الخالد المحفوظ بحفظ الله تعالى له لما علمت البشرية أخبار الأمم السابقة وما جرى لها مع رسل الله الكرام، يقول سبحانه وتعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» (يوسف/ 3).

ولما ثار الجدل حول فتية في الزمن القديم، وهم أصحاب الكهف حسم الحق سبحانه هذا الجدل بقوله عز من قائل: «نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى» (الكهف/ 13).

واختيار الحق سبحانه وتعالى أسلوب القصة لأن في ذلك تأكيد على واقعية المنهج القرآني حيث إن القصة هي من قص الأثر، أي أن القصة في المنظور القرآني ليست قصة مختلقة كما يفعل كتاب القصة هذه الأيام، بل هي واقع على الأرض، ويقوم الراوي أو القاص بتتبع أثر الأحداث وينقلها إلى الناس لذلك جاء وصف القصص في القرآن في سورة يوسف بأنه أحسن القصص ليتميز عن ما يقصه البشر، أي أنه سبحانه لم يدخل في القصة عناصر ليست فيها طلبًا للتشويق.

وللقرآن الكريم مع الكتب المنزلة مهمتان أساسيتان، الأولى: أنه مصدق لما جاء فيها من جوانب الحق، والمهمة الثانية: أنه مهيمن على جوانب الباطل التي دسها فيها أصحاب الديانات أو الشرائع التي سبقت شريعة الإسلام، وعلى كل باحث من أهل الديانتين أو الشريعتين: اليهودية والنصرانية إذا أراد معرفة النص الأصلي في كتابه المقدس، فعليه أن يقارنه بما جاء في القرآن الكريم، فإن وجد له نظيرًا أو شبيهًا، فله أن يجزم بأن هذا من بقايا الوحي المقدس، وإن لم يجد ذلك حكم عليه بالتحريف والبطلان.

وإذا أردنا أن نقدم مثالاً على ذلك، فسنجد مثلاً أن التوراة والإنجيل ذكرا قصة نبي الله عيسى وأمه (عليهما السلام) وأشاعوا عنهما الأقاويل الكاذبة والملفقة، فإذا عرضنا ما تقوله التوراة، وما يقوله الإنجيل عن عيسى وأمه على القرآن، فسندهش لأن القرآن ذكرهما في مقام التبجيل والتعظيم، وبرأها من كل عيب، ونفى عنهما ما ادعاه اليهود والنصارى عليهما، لقد زعم اليهود والنصارى أن عيسى (عليه الصلاة والسلام) طلب من قومه أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله تعالى، وهذا باطل لم يدعيه عيسى (عليه الصلاة والسلام)، قال تعالى: «وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علاّم الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117)» المائدة.

هذا هو القرآن وعلاقته بالكتب المنزلة على أنبياء الله ورسله الكرام، وهذه هي مهمته في أنه مصدق لجوانب الحق فيها، ومهيمن على جوانب الباطل.

هذا هو القرآن: المعجزة الخالدة الوحيدة الباقية من معجزات الأنبياء والرسل الكرام، وهو السجل الحافل بقصص الأمم مع أنبيائهم، وهو القصص الحق الذي حفظه الله تعالى من التحريف والتبديل، وصدق الله العظيم: «وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرا» (الإسراء/ 105)، وقوله سبحانه وتعالى: «.. وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)» (فصلت).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news