العدد : ١٥٢٨٦ - الأربعاء ٢٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٨٦ - الأربعاء ٢٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الغش التجاري في زمن الجودة (1)

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

عندما انشأنا مع بعض الأخوة والأخوات جمعية حماية المستهلك – أعتقد في عام 2001 ميلادي – طلب منا تلفزيون البحرين إجراء لقاء تلفزيوني للتعرف على الجمعية وأهدافها ورؤيتها وما إلى ذلك، فكلفني مجلس إدارة الجمعية مع بعض الأخوة والأخوات لتمثيل الجمعية في ذلك اللقاء. 

ومن ضمن الحوار الذي دار في ذلك الوقت كان موضوع الغش التجاري، وأذكر أنه في ذلك الوقت كنتُ قد نشرت عدة مقالات في صفحة البيئة بأخبار الخليج حول الغش التجاري للأغذية، وكذلك موضوع متعلق بالأغذية المعدلة وراثيًا الذي تحول إلى كتاب عام 2002. عمومًا أتذكر أنه قلت حينئذ إن الغش التجاري لم يعد كما كان، فإن كنا اليوم نتحدث عن تغير البطاقة الإعلامية وبلد المنشأ وبعض مظاهر السلع، وأنواع بسيطة من التغير الطفيف، فإننا اليوم سوف نتجه إلى تغير كبير في نمطية الغش، إذ يمكن أن يتم الغش حتى في التركيب الجيني، فيمكن أن نأكل الطماطم المزودة ببعض جينات الحشرات، أو يمكن أن نأكل الطماطم الممزوجة بلون الباذنجان، وما إلى ذلك.

فضحك الأخ المذيع والأخوة الحضور على هذا الطرح بطريقة ساخرة، لسذاجة الفكرة التي طرحتها آنذاك، ولكن أصبحت الفكرة واقعة اليوم.

وسبب إثارة هذا الموضوع اليوم، إنه خلال الفترات الماضية تصلني عبر الواتساب ووسائل التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى العديد من الأسئلة حول سلع مقلدة، أو أغذية غير صالحة للاستهلاك، أو شنط وألبسة تقليد درجة أولى، وما إلى ذلك، وخاصة في الفترة الأخيرة إذ أرسل لي بعض الأخوة والأخوات العديد من الصور وفيديوهات لأغذية واردة من بعض الدول ويزعم أنها مغشوشة ويطلب مني كيفية التعامل معها، وهل يمكن شراءها واستهلاكها، وهل يمكن أن تؤثر على صحة الأبناء وما إلى ذلك من أسئلة وغيرها.

ويبقى السؤال الذي نشعر أنه مهم وأنه من الأفضل البدء فيه عند التحدث عن موضوع الغش التجاري، وهو: هل الغش التجاري فكرة وعملية حديثة، أم هي موجودة منذ أن عرف الإنسان كيفية التعامل مع السلع، أيًا كانت؟ 

تقول بعض المصادر والأدبيات أنه يرجع ظهور قوانين الأغذية إلى عهد المجتمعات القديمة حيث كانت قوانين نبي الله موسى عليه السلام تحوي تعاليم متعلقة بالأغذية، فقد حرمت بعض الأسفار استهلاك لحوم الحيوانات الميتة الا إذا ذبحت، ونظمت شؤون الموازين والمقاييس فيما يتعلق بالأغذية والسلع الأخرى. كما وقد أشارت المخطوطات الصينية والهندية واليونانية والرومانية إلى لوائح قديمة أخرى متعلقة بالأغذية. ومن ناحية أخرى فقد أشار الكتّاب الكلاسيكيون في السجلات القديمة إلى مراقبة صنع الجعة والتفتيش على الخمور في أثينا (للتأكد من نقاوة وسلامة هذه المنتجات). وفرضت روما رقابة رسمية على إمدادات الغذاء، وتبعًا للسجلات المتوافرة أدت هذه الرقابة إلى الحماية من رداءة الجودة والخداع، ويبدو أن هذا النوع من الرقابة على الأغذية ظل ساريًا في روما حتى القرن السابع.

وقد استهدفت القوانين الأولى للأغذية حماية المشترين من الخداع، وكان هذا هو الاعتبار القانوني السائد وقتذاك، ولحسن الحظ أن حماية الصحة جاءت – في كثير من الأحيان – في سياق الحماية من الخداع. 

وعلى مدى القرنين الثالث عشر والرابع عشر وضعت لوائح تمنع غش المواد الغذائية، وكان الخبز من بين السلع التي نصت تلك اللوائح تفصيلاً على خطوات تصنيعها، ومن الأمثلة على ذلك في القانون الأنجلوسكسوني القديم (قانون الخبز) الذي صدر في إنجلترا في فترة حكم الملك جون - 1202 م - الذي كان يعاقب بموجبه بشدة (الخبازين الذين ينتجون خبزًا رديئًا أو منقوص الوزن). 

ويعتبر كتاب الحرف الذي صدر في فرنسا عام 1268م أهم مستند اقتصادي في هذا الموضوع في العصور الوسطى، وقد أورد هذا المستند جميع الأحكام العملية التي تكفل حماية غذاء المستهلكين ومصالحهم المادية وصحتهم وتحفظ سمعة النقابات، وقد ذكر في هذا المستند أن الخبازين وأصحاب الحانات ومنتجي الجعة والجزارين والطباخين وبائعي الفواكه والخضر بالتجزئة يخضعون للوائح صناعية وتجارية معينة مثل ضرورة منع وقمع (كل ما من شأنه أن يضر الجمهور وكل ما يسبب الخداع أو الغش) ولا سيما بالنسبة لمن لا دراية لهم بالموضوع. واشتمل هذا المستند على تفصيلات طريفة، فقد كان ممنوعًا تنكية البيرة بإضافة الفلفل أو الزبيب لأن هذه المكونات كانت تعتبر مضرة بالصحة، وكان بيع عصيدة الدم ممنوعًا لأنها تحتوي على لحم خطر، كما جاء فيه منع استخدام الزعفران لأن لونه ربما يعطي الانطباع باستخدام البيض أو ربما يخفي التدهور أو الفساد في الغذاء، وقد حرمت كذلك إضافة التوابل الشرقية المصنوعة من (بذور غير مسموح بها وتضر بجسم الإنسان). وقد كان مندوبون محلفون في فرنسا يقومون بعمليات تفتيش يومية للمنشآت التجارية التي تتعامل في البضائع القابلة للتلف. 

وقد فرض الفرنسيون عقوبات على المخالفين لا تقل طرافة عن التفصيلات السابقة، من بين هذه العقوبات الغرامات والمصادرة والطرد من النقابات أو عقوبات بدنية قاسية خاصة إبان حكم الملك لويس الحادي عشر - 1481م - فقد شملت تعذيب بائع البيض الفاسد بإدخال يديه ورأسه في فتحات لوحة خشبية ثم قذفه بالبيض الذي يقوم ببيعه، وأيضًا إيقاف بائع الزبد الذي يحتوي إنتاجه على اللفت أو الأحجار أو أشياء أخرى (أمام نار متأججة مع وضع الزبد فوق رأسه إلى أن يذوب، والحكم على بائع الخمر أو الحليب المخفف بالماء بأن يشرب قهرًا)، فكان يوضع قمع في حلق من يبيع الحليب المخفف ويصب الحليب فيه إلى أن يقرر الطبيب أن الرجل لا يمكنه بلع المزيد دون خطر.

والإسلام كدين شامل لم يهمل هذا الجانب، فقد أشار القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى المواضيع المتعلقة بالغش التجاري بطريقة أو بأخرى فتارة ينهي عن اللعب في الموازين حيث قال تعالى في سورة المطففين (ويلٌ للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، ليوم عظيم)، وتارة يذكر ذلك صراحة كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضع يده في بضاعة كانت معروضة للبيع فوجدها مبللة وعندما سأل البائع عن ذلك قال أن الغذاء تعرض للمطر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع الجزء المعرض على السطح حتى يشاهده الناس عندئذ فمن رغب في الشراء فليشتري ومن لم يرغب فله ذلك، ثم سن قاعدته الشرعية حين قال (من غشنا فليس منا) ليحمي بذلك المسلم وغيره من المكائد وحبائل الكثير من التجار الذين يعيشون ويسترزقون على هذه النوعية من التجارة، فالغش بجميع أنواعه حرام في الإسلام.

ما الغش التجاري؟

يقال في القواميس العربية مثل لسان العرب وغيرها إن الغشّ نقيض النّصح، وهو مأخوذ من الغشش وهو المَشرَبُ الكدِر. فالشيء المغشوش هو المكدّر الذي لا صفاء فيه ولا نقاء. والغشّ ما يُخلط من الرّديء بالجيّد. 

كما يقال أيضًا في معجم اللغة العربية المعاصرة أن الغش يعني خَلْط الشيء بغيره، مما هو أقل منه في الثمن، يقال: غش اللبن؛ أي: خلطه بالماء.

وقال ابن حجر الهيثمي إن: «الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئًا لو أطلع عليه مريد أخذها ما أخذ بذلك المقابل». وقال الكفوي: «الغش سواد القلب، وعبوس الوجه، ولذلك يطلق الغش على الغل والحقد». 

ويعرف الغش التجاري أنه أيّ عمل تجاري يتم بشكل مناف للقوانين والعادات والشرف، وينجم عنه ضرر للغير، ملزم لمَن ارتكبه بالتّعويض لإصلاح الضرر فحسب، ولكن لمنع وقوعه مستقبلاً. كما ويتمثّل الغشّ في التحايل على المواصفات والمقاييس والأنظمة الصحية، والتّعدي على حقوق الملكية الفكرية للأفراد والشركات والمؤسسات، وطرح سلعة أو خدمة مغشوشة في السوق مخالفة للسلع والخدمات الأصلية.

كما أن الغش التجاري هو مصطلح قانوني يعني أن المنتج – أيًا كان – لا يستوفي المعايير القانونية. وكأحد أشكال الغش هو إضافة مادة أخرى إلى المادة الغذائية بهدف زيادة الكمية في شكل الخام أو شكل المُعد، مما قد يؤدي إلى فقدان الجودة الفعلية للمواد الغذائية. قد تكون المواد المضافة مواد غذائية أخرى أو مواد غير غذائية. بعض المواد المستخدمة في الغش سواء منتجات اللحوم أو غير اللحوم هي الماء أو الثلج أو الجثث أو جثث الحيوانات الأخرى غير الحيوان المقصود استهلاكه.

وقس على ذلك أي نوع من السلع، فمثلاً أن تصنع مواد البناء التي من المفروض أن تكون مصنوعة من مواد معينة بحيث تصبح تلك المواد في مستوى الجودة المطلوبة، إذ بها تخلط بمواد أقل جودة ولكنها جميلة، فيأتي الزبون ليشتري هذه المواد بسعر المادة الأصلية اعتقادًا منه أنه يشتري المادة الأصلية، وهكذا بالنسبة للأثاث والأجهزة والسيارات والهواتف الذكية وكل أنواع السلع والمواد. 

وفي دراسة عن الغش التجاري في المجتمع الإلكتروني، قامت به الغرفة التجارية الصناعية قطاع البحوث ومنتدى الرياض الاقتصادي بالرياض عام 2010 جاء فيه:

أن مصطلح غش المستهلك أو الغش التجاري للمستهلك بات مفهومًا ضيقًا لا يتناسب مع الغش التجاري في المجتمع الإلكتروني الذي قد يلحق بالمؤسسات والحكومات، لذلك فتقترح هذه الورقة إعادة تسميته بالغش التجاري الإلكتروني.

أن الغش التجاري الإلكتروني يشكل نوع خاصًا من الغش التجاري الذي يرتبط بالمجتمع الإلكتروني، إلا إنه يتميز عن الغش التجاري التقليدي في أنه قد يرتكب بحق مؤسسات الأعمال أو الحكومات.

أن البيئة العالمية تعج حاليًا بالعديد من أشكال الجرائم الإلكترونية. وقد اتضح من تحليل أشكال الخدمات والمنافع الإلكترونية، وأيضًا تحليل أشكال الغش في المجتمع الإلكتروني أن هناك ارتباطًا كبيرًا وبارزًا بين شكل الخدمة أو المنفعة الإلكترونية الجديدة وبين الغش الإلكتروني. ولما كانت هذه الخدمات والمنافع متجددة ومتطورة بشكل متسارع، فإن تحديد أشكال الغش التجاري المحتملة في المجتمع الإلكتروني يعد مهمة في غاية الصعوبة. وبالتالي فإن عملية مكافحته قد تكون بمثابة المستحيل على الأقل في المراحل الأولى لحدوثه، أن هناك فجوة بين حالات الغش الحادثة وبين جهود المكافحة، ويمكن تفسير هذه الفجوة بنوعين من الصعوبات، هما صعوبة رصد حالاته وإثباته، وصعوبة اكتشاف وسد الثغرة التي نجم عنها. انتهى الاقتباس.

واليوم، لم يعد الغش ظاهرة فردية متناثرة، وإنما غدا فنا إذ أصبح يمارس على مستوى المؤسسات والمصانع وربما الدول، لذلك فإنه عندما نطالع بعض الصحف المحلية والعربية والأجنبية تطالعنا بين الفينة والأخرى بعنوانين مثيرة حول بعض التجار الذين يقومون بمحاولة لقلب الحقائق وطمس حقيقة الأغذية – مثلاً – التي يبيعونها، فمثلاً نشرت إحدى الصحف العربية ذات يوم هذا العنوان (ضبط 50 طنًا من الحليب المجفف المنتهي فترة الصلاحية تستخدم لصنع الآيسكريم والروب وما شابه ذلك)، وخبر آخر (استخدام صبغات الأحذية لتلوين الزيتون ليباع على أنه زيتون أسود)، وخبر آخر (مصادرة بعض المواد الغذائية التي تم التلاعب في تواريخ صلاحيتها)، وخبر آخر (منع باخرة من إنزال 23 ألف كرتون دجاج تحمل تاريخ الإنتاج شهر أبريل القادم !!)، وخبر آخر (سحب أغذية أطفال من السوق بسبب تكرار حالات التسمم الناتجة عنها)، وخبر آخر (التحفظ على 95% من جيلي الأطفال المتعفن المطروح بالأسواق).

وهذا غيض من فيض، وإن كانت أجهزة الرقابة والمختبرات الرسمية في محاولات مستمرة لتطوير أنفسها لكشف عمليات الغش التجاري فإنه ومن جانب آخر أن التجار والمؤسسات أبرع بكثير وربما أسرع في اتخاذ الخطوات التي تؤهلهم لبيع المنتجات المغشوشة، والمستهلك هو الضحية الأولى بين تلك الدوامات وللأسف فإننا كلنا مستهلكون، إذن ما هو الحل المطروح؟ 

وهذا ما سنحاول أن نتعرض له في المقالات التالية، وما زال للحديث بقية،،

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news