العدد : ١٥٢٨٢ - السبت ٢٥ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٣٠ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٨٢ - السبت ٢٥ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٣٠ جمادى الاول ١٤٤١هـ

الثقافي

حدث في مثل هذا اليوم: ولادة المفكر والأديب جرجي زيدان

جرجي زيدان.

إعداد – المحرر الثقافي: 

السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ - 10:52

 

في مثل هذا اليوم 14 ديسمبر من عام 1861وُلد جرجي زيدان في لبنان في عائلةٍ فقيرة، عمل في البداية مساعدًا لوالده في المطعم الذي كان يمتلكه. وكان لطبيعة الناس الذين يرتادون مطعم والده من صحفيين ومثقفين وأكاديميين الأثر الكبير على إثارة شغف زيدان بالعلم والمعرفة وخاصةً الأدب. درس الطب عاما واحدا وهاجر بعدها إلى القاهرة، بعد وصوله إلى القاهرة غير رأيه في موضوع دراسة الطب وبدأ بالعمل محررًا في صحيفة عاد إلى بيروت عام 1885 وانضم إلى المجمع العلمي الشرقي الذي تم إنشاؤه عام 1882، أصدر أول كتبه عام 1886 وهو بعنوان «تاريخ اللغة العربية» وسافر بعدها إلى لندن وعاد منها إلى القاهرة، حيث تسلم إدارة مجلة المقتطف قبل أن يقوم بإنشاء مطبعةٍ خاصةٍ به إلى جانب نجيب متري. وبعد فترةٍ قصيرة، انفصل عن متري واحتفظ بالمطبعة وأطلق مجلته الخاصة «الهلال».

اهتم زيدان خلال حياته العملية بالتاريخ العربي والإسلامي، فكانت مؤلفاته في معظمها تمثل دراسات تاريخية للأحداث التي مرت بها المنطقة العربية منذ ظهور الإسلام وحتى عصر المماليك، وقد تلقى الكثير من الانتقادات التي تقول إن معظم مؤلفاته تغلب عليها القصصية أكثر من التوثيق بسبب غياب المصادر، وقد اعتبره بعض المفكرين الإسلاميين أنه بأعماله الأدبية يشوه بعض الحقائق في التاريخ العربي باعتباره يقدم عملا أدبيا تغلب عليه النظرة الشخصية أكثر من الموضوعية، وإن كان يحاول ذكر بعض المصادر إلى جانب بعض الاقتباسات، إلا أنهم يعتبرون أن المصادر لم تكن تفصيلية وهذا ما دفع الكثيرين إلى رفض أعماله الأدبية، لكن فريقًا آخر يعتبر أن الجهد والعمل الشاق الذي قام به زيدان يستحق الاحترام، إذا ما تمت المقارنة بين عدد مؤلفاته وسنين حياته التي عاشها وبين طبيعة مؤلفاته وما جاء قبلها انحدر من أسرةٍ مسيحية فقيرة من قرية عين عنب في جبل لبنان، كان والده حبيب زيدان رجلا أميًا يملك مطعمًا في ساحة البرج في بيروت يتردد عليه رجال الأدب واللغة وطلاب الكلية الأمريكية.

رحل عن دنيانا في 21 يوليو 1914 مخلفا وراءه العديد من الانجازات الفكرية والبحثية والأدبية الرائدة.

قام والده بإرساله إلى مدرسةٍ متواضعة لتعلم القراءة والكتابة والحساب ليتمكن من مساعدته في إدارة المطعم وضبط الحسابات، التحق بعدها بمدرسة الشوام وتعلم اللغة الفرنسية، ثم التحق بمدرسة مسائية لتعلم اللغة الإنجليزية. كانت والدته ترفض أن يعمل في مطعم والده وأرادت منه أن يتعلم مهنة، فاتجه إلى صناعة الأحذية لكنه لم يستمر فيها لعدم رغبته في هذا العمل.

بدأ يميل إلى المعرفة والاطلاع، وظهر شغفه بالأدب بعد أن احتك بالمتخرجين في الكلية الأمريكية ورجال الفكر والصحافة ممن كانوا يرتادون مطعم والده أمثال إبراهيم اليازجي وسليم البستاني وغيرهم. رغب في تعلم الطب وقد تحقق له ذلك بعد اجتيازه اختبار القبول، فدرس الطب عاما واحدا في الكلية السورية البروتستانتية (الجامعة الأمريكية) انتقل بعدها إلى دراسة الصيدلة، ثم قرر أن يسافر إلى القاهرة فاقترض بعض المال من أحد جيرانه في بيروت وسافر إلى القاهرة. حاول أن يلتحق بكلية الطب في القاهرة إلا أنه غير رأيه وبدأ يبحث عن عمل.

بعد وصوله إلى القاهرة، بدأ العمل في تحرير جريدة الزمان التي كان يمتلكها رجلٌ أرمني الأصل، وكانت هذه الجريدة هي الوحيدة في القاهرة بعد أن أوقف الاستعمار البريطاني جميع الصحف في تلك الفترة، ثم عمل مترجمًا في مكتب المخابرات البريطانية في القاهرة ورافق الحملة البريطانية التي توجهت إلى السودان لإنقاذ القائد الإنجليزي «غوردن» من حصار جيش المهدي، وبعد رحلةٍ استمرت عشرة أشهر، عاد إلى بيروت عام 1885 وانضم إلى المجمع العلمي الشرقي الذي أُنشئ عام 1882 كما تعلم اللغة العبرية واللغة السريانية الأمر الذي مكّنه من تأليف أول كتاب وهو «فلسفة اللغة العربية» عام 1886 والذي مثل أو محاولةٍ واضحة لتطبيق مبادئ فقه اللغة المقارن على اللغة العربية، ولأن العمل كان يفتقر إلى العمق، أصدر زيدان طبعةً جديدة منقحة عام 1904 بعنوان «تاريخ اللغة العربية».

زار زيدان لندن وتردد على مكتباتها ومتاحفها ومجمعاتها العلمية وعاد بعدها إلى القاهرة ليتولى إدارة مجلة المقتطف حيث بقي فيها ما يقارب العام ونصف العام، وقد قدم استقالته من المجلة ليعمل في تدريس اللغة العربية في المدرسة العبيدية الكبرى لمدة عامين، وقرر إلى جانب نجيب متري إنشاء مطبعةٍ خاصة، لكن الشراكة لم تستمر أكثر من عام انفصلا بعدها ليحتفظ زيدان بالمطبعة حيث أطلق عليها اسم الهلال فيما أسس متري مطبعة أخرى وهي مطبعة المعارف.

أصدر زيدان مجلة الهلال التي كان يحررها بنفسه، وبعد أن كبر ولده إيميل كان يساعده في ذلك. وصدر العدد الأول من المجلة عام 1892 وحمل افتتاحيةً بقلم جرجي زيدان موضحًا من خلاله خطته وهدفه من إنشاء هذه المجلة، وبسبب نشاطه وعمله المتفاني، تمكن من جذب الأنظار إليه حتى غدت المجلة خلال خمس سنوات من أوسع المجلات انتشارًا. قدم جرجي من خلال مجلته مجموعةً من كتبه وأعماله الأدبية على شكل فصولٍ متفرقة، وخلال مائة سنة من حياتها كتب فيها عددا كبيرا من أعظم المفكرين العرب.

فيما يتعلق بأعمال زيدان وطبيعة نشاطه الفكري، كان جرجي زيدان متمكنًا من اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية، واسع الاطلاع فيهما، وخاصةً فيما يتصل بالتاريخ والأدب العربيين، واتجهت مؤلفاته الأولى نحو هذا المضمار، وإن مالت نحو الدراسات التاريخية.

أصدر عام 1889 كتاب «تاريخ مصر الحديثة» في مجلدين، و«تاريخ الماسونية والتاريخ العام»، وهو موجزٌ في تاريخ قارتي آسيا وإفريقيا، ثم توالت كتبه: تاريخ إنجلترا، تاريخ اليونان والرومان، جغرافية مصر وطبقات الأمم وغيرها، غير أن هذه الكتب لم تلفت إليها الأنظار، ولم تلقَ نجاحًا يذكر، إلى أن أنشأ مجلة الهلال التي ارتبطت حياته بها ارتباطًا وثيقًا.

وفي مجال الرواية كانت معظم رواياته تاريخية بدأها برواية «المملوك الشارد» التي صدرت عام 1891، ثم تتابعت رواياته حتى بلغت اثنتين وعشرين روايةً تاريخية، منها سبع عشرة رواية تتناول فترات من التاريخ الإسلامي، تمتد من الفتوح الإسلامية إلى عصر المماليك، مثل: أرمانوسة المصرية، غادة كربلاء، فتح الأندلس، العباسة أخت الرشيد، الأمين والمأمون، شجرة الدر، استبداد المماليك. لقيت رواياته رواجًا واسعًا وإقبالاً هائلاً، كما تُرجمت إلى الفارسية والتركية، والأذربيجانية، وغيرها من اللغات، تنحصر أهمية هذه الروايات في أنها قدمت التاريخ في صورةٍ سهلة ومشوقة، وبلغةٍ جذابة تحمل القراء على متابعة تاريخهم من دون مشقة أو ملل.

ومع ذلك، فإن تلك الروايات نالت قدرًا كبيرًا من الانتقادات فيما يتصل بالشكل والمضمون: أما من ناحية الشكل والمعالجة، فإن الأحداث تقوم على علاقةٍ غرامية بين بطلي القصة، وتحول الدسائس دون التقائهما واجتماعهما. وشخصيات رواياته متشابهة ونمطية فهو لا يهتم برسم شخصياته. ومن حيث المضمون، لم يلجأ زيدان إلى الفترات المشرقة من التاريخ الإسلامي، وإنما اكتفى بتناول فترات الصراعات السياسية والدينية، ويرجع البعض أسلوبه وطبيعة تناوله للأحداث إلى تأثره بنظرة المؤرخين الغربيين إلى العالم الإسلامي، وعلى الرغم من ذلك فإنه يعد المؤسس لهذا اللون من الروايات التي تجمع بين التعليم والتسلية والتاريخ.

يعد كتاب «تاريخ التمدن الإسلامي» الذي صدر في خمسة أجزاء في الفترة من 1902 وحتى 1906 أهم مصنفاته، وقد مثل العمل مزيجًا معرفيًا غنيًا مدعومًا بتجارب زيدان السابقة وبقراءاته الكثيرة للمصادر والدراسات العربية والغربية بالإضافة إلى اتباعه مناهج البحث الحديثة التي لم يتطرق إليها أحد قبله. أثار الكتاب عند ظهور أجزائه الأولى نشاطًا واسعًا في أبحاث التاريخ الإسلامي، وأقبل عليه الناس، وامتلأت قاعات الجامعة المصرية بالطلاب، وقد انتبهت الجامعة إلى مكانة جرجي زيدان وسعة علمه، وتمت دعوته إلى الجامعة لإلقاء بعض المحاضرات في التاريخ الإسلامي إلاّ أن الظروف حالت دون ذلك، وقد تُرجم الجزء الرابع من هذا المجلد إلى الإنجليزية واعتبر عملاً أًصيلاً لم يسبق له مثيل.

كما أن كتابه «تراجم مشاهير الشرق» يمثل أحد أهم المراجع التي يستأنس بها كل باحث وكاتب يبحث عن الترجمة لأحد أعلام الشرق في القرن التاسع عشر، والكتاب لا يختص بطائفة أو فئة معينة من الناس، وإنما يجمع بين أعلام السياسة والأدب والإدارة والحكم وغيرهم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news