العدد : ١٥٢٨٢ - السبت ٢٥ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٣٠ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٨٢ - السبت ٢٥ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٣٠ جمادى الاول ١٤٤١هـ

الثقافي

ســــرديـــات: الشراكات الثقافيّة العربيّة الكبرى مؤسسة الفكر العربيّ «فكر 17» ومركز الملك عبدالعزيز الثقافيّ «إثراء» أنموذجًا

بقلم: د. ضياء عبدالله الكعبيّ *

السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ - 10:50

كان اختيار انعقاد مؤتمر مؤسسة الفكر العربيّ السنويّ هذا العام في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» اختيارا رمزيًا دالاً على الثقل السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ الذي تمثله الشقيقة الكبرى المملكة العربيّة السعودية في المنطقة العربيّة وفي العالم. وهو اختيار دالٌ كذلك على حجم الحراكات الكبرى الثقافيّة والاجتماعيّة من خلال مبادرات صاحب السمو الملكيّ الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي عهد السعودية، حفظه الله ورعاه، وفقًا للرؤية الاقتصادية 2030. لقد اختارت مؤسسة الفكر العربيّ التي يرأسها صاحب السمو الملكيّ الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، موضوع «نحو فكر عربيّ جديد» ليكون محور مؤتمرها السنويّ الناظم هذا العام، وهو محور ينبثق من رؤية الأمير خالد الفيصل الذي يذكر في حوار سابق له أجرته معه مجلة «القافلة» السعودية أنَّ فكرًا عربيًا جديدًا يجب أن يُولد، ونعني به فكرًا تنويريًا جديدًا قادرًا على التأثير الإيجابيّ في الوعي الثقافيّ العربيّ المعاصر، بل في المستقبل والمصير العربيين، غير أنَّ هذا الفكر لن يكون فكرًا قادرًا على التأثير أو التغيير ما لم يكن فكرًا ناقدًا ينطلق من معطيات الواقع العالميّ الحالية ومشكلات عالمنا العربيّ الحاضرة: إذ لا بد لهذا الفكر من أن يجدِّد منطلقاته وأسئلته. كأنَّ يواجه الثورة العلمية والتكنولوجية العالمية الراهنة بكيفية الإفادة منها والتأثير فيها بدل الاكتفاء باستهلاكها وتلقي مفاعيلها السلبيّة علينا، أفرادًا وجماعات ودولاً، وبتأمل ظاهرة احتدام العصبيات وصدام الحضارات والثقافات وعودة الشعبويات وغيرها الكثير من التحولات العولميّة التي تسهم في تأجيج صراع الهويات على الصعيدين العالميّ والعربيّ؛ وكأنَّ يكون الكلام على العروبة كلامًا على انتماء ثقافي وحضاري جامع يغتني بتعدّد مكوناته وتعدّد روافده».

 اشتمل مؤتمر «فكر 17» على سبعة محاور متفرعة من المحور الناظم «نحو فكر عربيّ جديد» هي: المحور العام الذي يتناول تشخيص حالة الفكر العربيّ المعاصر، وعرض التحولات الكبرى التي يشهدها العالم حاليًا، واستشراف السبل الآيلة إلى تجديد الفكر العربيّ ورفده بطاقات الابتكار والإبداع على مختلف المستويات، والمحور التربوي الذي يركز على دور التعليم في عملية التنشئة والتكوين، واعتباره المدخل الصحيح لتجديد الفكر العربيّ، والعمل على إصلاح سياساتنا وأنظمتنا التربوية. ولقد سعى المؤتمر إلى إبراز دور العلوم الإنسانية والاجتماعية في تجديد الفكر العربي وتقدم الدول والمجتمعات، والمحور السياسي الذي تدور موضوعاته حول تجديد النظر في مفاهيم الدولة والمواطنة والمشاركة، وتفنيد حجج التنظيمات السياسية التي تمارس العنف والإرهاب، ودراسة الأفكار المناهضة لهذا التوجه، فضلاً عن تعميق قيم قبول التعددية والتسامح مع الآخرين. وتناول المؤتمر كذلك المحور الاجتماعي الذي يدور حول هيئات المجتمع الأهلي البالغ الأهمية في تجديد الفكر العربي من خلال عينة مختارة تمثل تجارب شبابية ونسائية ومبادرات رائدة تطوعية، والمحور الاقتصادي الذي سعى إلى فحص الأفكار الجديدة في الفكر الاقتصادي التنموي العربي، من خلال عدد من التجارب، مع تسليط الضوء على «رؤية المملكة 2030» بوصفها أنموذجًا. وركّز هذا المحور على الصناعة والتصنيع بوصفها ركائز أساسية للتنمية، وتوقَّف عند ماهية الشروط ومتطلبات النهوض بالصناعة في الوطن العربي. والمحور التكنولوجي الذي تناول استيعاب التحديات التي تطرحها التحولات المعرفية وتطبيقات التكنولوجيات، والارتقاء بالبيئات الحاضنة لعلوم والتكنولوجيا والابتكار، وتعزيز أنماط جديدة من الفكر المستنير لصناعة المستقبل. ولقد تناول المحور الثقافي دور المثقفين العرب في تجديد الفكر العربي، وفي التحديات التي تواجه ثقافتنا، وفي المسؤوليات التي تقع على عاتق المثقفين. ولقد أطلق المؤتمر هذا العام تقريره الحادي عشر للتنمية الثقافية الذي أتى عنوانه فلسطين في مرايا الفكر والثقافة والإبداع.

مركز «إثراء» الذي انعقد فيه المؤتمر هو من أكبر مبادرات أرامكو السعودية المجتمعية طموحًا، وأكبرها إسهامًا ثقافيًا، يحتفي بالتجارب الإنسانية من فن وعلم وثقافة وابتكار، ويهدف إلى الاستثمار في الإنسان، من خلال إطلاق برامج وفعاليات وأنشطة تخدم الوطن، ونشر الإبداع السعودي حول العالم. وقد اختارت مجلة «التايم» الأمريكية هذا المركز ضمن أعظم مائة موقع في العالم لعام 2018 لما يشكّل من وجهة ثقافية وسياحية وابتكارية ملهمة من خلال مبادراته الثقافية الاستثنائية. ويطل مبنى المركز على الصحراء، ويعكس التفرد في العمارة التفكيكية ما بعد الحداثية؛ إذ تمّت تغطيته بأنبوب من الفولاذ، يتألف من آلاف القطع الصغيرة. ولقد حاز جائزة التميز في البناء الخراساني من المعهد الأمريكي للخراسانة في عام 2019. ويضمُّ بين جنباته مكتبة عصرية تحتوي على مائتين وسبعين ألف كتاب مطبوع باللغتين العربية والإنجليزية، وعشرة آلاف كتاب صوتي ورقمي. وينظم برج المعرفة في المركز ألف ورشة عمل سنويًا، تضمُّ عشرة آلاف مستفيد. ومديرة مركز «إثراء» هي المهندسة السعودية فاطمة الراشد.

 لفت انتباهي في المؤتمر مشاركة المئات من الشباب السعودي شبابًا وشابات في الأعمال التطوعية الخاصة بتنظيم هذا المؤتمر العربي الكبير. لقد كان سائق السيارة التي أقلتنا إلى المركز محاميًا ولديه مؤسسة خاصة به ومع ذلك تطوّع رغبة منه في إبراز أنموذج الشاب السعودي الذي يعشق وطنه ومثله كثيرون. لقد وجدتُ في أعين الشباب السعودي المتطوِّع الشغف والحماس والروح الوطنية المتوقّدة والفخر بكونهم محرّكا رئيسًا في رؤية السعودية الاقتصادية (2030)، وهم يدركون بوعي أنهم يشاركون في صنع مستقبل واعد في المنطقة العربية، وفي العالم كلّه. 

لقد كان مؤتمر «فكر 17» الذي ينعقد للمرة الأولى في المملكة العربية السعودية هذا العام مؤتمرًا ناجحًا بكافة المقاييس، وأشكر القائمين عليه وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل وصاحب السمو الملكي الأمير بندر بن خالد الفيصل المستشار بالديوان الملكي السعودي، والبرفسور هنري العويط، المدير العام لمؤسسة الفكر العربيّ، كما أشكر مركز الملك عبدالعزيز الثقافيّ العالميّ «إثراء» على هذه الشراكة الثقافية والفكرية المعرفية الرائدة مع مؤسسة فكرية رائدة عربيًا هي مؤسسة الفكر العربي التي تقدم كلَّ عام مسحًا ثقافيًا مهمًا لصناع القرار في الوطن العربيّ. وشخصيًا ألهمني هذا المؤتمر الابتكاري هذا العام أفكارًا عدة ومبادرات واعدة سأشتغل عليها بمشيئة الله تعالى على النطاقين الشخصي والمهني.

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news