العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (104)

الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ - 10:12

بقلم: د.غريب جمعة

مختارات من أحاديث:

الإسلام لا يقر المحسوبية.

إن عناية الإسلام بالناحية الخلقية من أبرز النواحي التي تناولتها نصوصه، لأن من أكبر مقاصده تكوين الأمة الصالحة وأول وسائل ذلك تقويم أخلاق أفرادها وجماعاتها وحسن توجههم إلى كل ما يرضي الله عز وجل من مكارم الأخلاق، لذلك كانت المحسوبيات والوساطات للتوصل إلى المقاصد من غير استحقاق لها في مقدمة ما قاومه الإسلام وصان أهله عن الانزلاق فيه، ولو لم يكن منع الإسلام للوساطات والمحسوبيات داخلا في رسالة الإسلام الخلقية التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فإنها داخلة في إقامة الحق الذي هو ركن عظيم من أركان الإسلام وقد سماه الله عز وجل «دين الحق» [التوبة: 29] وفي مواضع متعددة من كتابه الحكيم.

وأي غمط للحق أكبر من إيثار امرئ بما لا يستحق من المنافع أو المناصب لأنه محسوب لجهة لا يمت إليها آخر أكثر استحقاقًا منه وأهلية لتلك المنفعة أو ذلك المنصب؟ وأي غمط للحق أعظم من أن يُحابى امرؤ في درء حد من حدود الله عنه أو إعفائه من حق وجب عليه رعاية لجهة قوية ينتمي إليها أو وساطة ذي مكانة ما كان لولاها ليعفي من الحق الذي وجب عليه.

وأكثر المسلمين يحفظون في ذلك موقف النبي صلى الله عليه وسلم من المرأة المخزومية التي سرقت، فخاطبت قريش أسامة بن زيد ليكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسقاط الحد عنها فقال صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ثم أتى المسجد فخطب خطبته المشهورة التي قال فيها: «أيها الناس إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأَيمْ (جمع يمين) الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».

ومن هذا الينبوع أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب المبدأ الإسلامي العظيم الذي قرره في رسالة إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة فقال فيها «آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وفي قضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك».

ثم مضى على هذا المبدأ أئمة المسلمين ولاتهم وقضاتهم. وقد رأس القضاء بأجمعه في مدينة الفسطاط التي بناها عمرو بن العاص عاصمة الوطن المصري، عظيم من فقهاء الإسلام وهو براهيم بن أبي الأجنادي فكان مما قاله مترجموه (أي الذين ترجموا حياته) «كان لا يقبل وساطة ولا شفاعة بل يصدع بالحق ولا يولي إلا مستحقًا».

وإبراهيم بن إسحاق قاضي مصر ذكروا في ترجمته أنه حكم في قضية لرجل على آخر، وكان المحكوم عليه قريب الصلة بالأمير حينئذ فتشفع المحكوم عليه بالأمير ريثما يصطلح المتقاضيان، فما كان من القاضي إبراهيم بن إسحاق إلا أن أقفل المحكمة وترك القضاء وذهب إلى منزله، فأرسل إليه الأمير يسأله الرجوع قائلاً للقاضي:

إني لا أعود إلى الوساطة أبدًا في شيء وليس في الحكم شفاعة.

ومن المعلوم في الفقه الإسلامي: أن الحاكم ليس له أن يشير على الخصوم بالصلح إلا إذا لم يتبين الحق.

وقد بقيت هذه الأخلاق في علماء المسلمين حتى أيام الدولة العثمانية، فقد ذكر التاريخ أن السلطان بايزيد حضر إلى المحكمة بين يدي القاضي شمس الدين محمد بن حمزة الفناري قاضي القسطنطينية ليشهد في قضية رفعت إليه فما كان من القاضي الفناري إلا أن رد شهادة السلطان ولم يقبلها.

ولما سأله السلطان عن وجه ردها قال له: إنك تارك للصلاة مع الجماعة!!.

فبنى السلطان في الحال جامعًا أمام قصره وعين لنفسه موضعًا فيه ولم يترك صلاة الجماعة بعد ذلك.

(يقول كاتب هذه السطور: هذا نموذج من قضاة الإسلام الذين يحنى التاريخ رأسه إجلالاً لهم ويخلد ذكرهم، ونأمل أن يكون في قضاتنا اليوم من ينهج نهجهم ويحكم حكمهم).

فالمسلم الذي يأمره إسلامه برد شهادة شاهد لسبب فيرد شهادته مع أنه صاحب السلطان المطلق عليه، لا شك أنه ذو دين قد ربَّى أهله على إقامة الحق في كل الظروف وعلى أن لا ينحرف أحد منهم عن الحق لأية عاطفة من عواطف الحب والبغض والرغبة والرهبة.

(مجلة الأزهر ج9 م24 شوال 1372هـ - يونيو 1953م).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news