العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لغة ترامب الخطابية.. وعواقبها الدبلوماسية

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

تعدُّ الكياسة والفطنة والطباع الهادئة والدبلوماسية من السمات الأساسية لشخصية أي رئيس، بصرف النظر عن الدولة التي يحكمها؛ وذلك لتوجيه وإدارة العلاقات بين الدول. وفي العصر الحديث اشتهر رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، بداية من «فرانكلين روزفلت»، و«هاري ترومان»، و«بوش الأب»، و«بيل كلينتون»، و«باراك أوباما»، بطريقتهم الهادئة والدبلوماسية، وهم يتحدثون بإعجاب واحترام عن الحلفاء، وبصرامة مع الخصوم. 

 ومع ذلك وفي بعض الأحيان، يمكن أن ينزلق قناع الشخصية الدبلوماسية الهادئة وتظهر الشخصية الحقيقية للرئيس؛ فعلى سبيل المثال؛ وجد «أوباما» نفسه في ورطة في إحدى المناسبات عندما تحدث إلى الرئيس الفرنسي الأسبق «نيكولا ساركوزي» عام 2011؛ إذ قال الأخير في المحادثة المسربة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، «بنيامين نتنياهو»: «لا يمكنني تحمل نتنياهو إنه كذاب»، ليرد عليه «أوباما» بالندم على أنه «اضطر إلى التعامل معه في كثير من الأحيان أكثر منه»، وهو ما أدى إلى توتر العلاقة بين أوباما ونتنياهو في نهاية فترة ولاية الرئيس الأمريكي المتبقية.

وغالبا، ما كانت مثل هذه «الزلات الخطابية»، نادرة بين رؤساء الولايات المتحدة؛ حتى بداية عهد الرئيس الأمريكي الحالي، «دونالد ترامب»، الذي قلب قواعد الدبلوماسية الرئاسية؛ إذ اشتهر بنشره إهانات متعمدة، عادة ما تكون ذات طابع شخصي ضد قادة الدول الحليفة للولايات المتحدة، بينما يمتدح الخصوم، وهو ما يؤكده «بيتر نيكولاس» في مجلة «ذا أتلانتيك»، من أن «الأقوياء والخصوم غير الليبراليين للولايات المتحدة لهم مكانة لدى الرئيس، دونالد ترامب منذ زمن طويل، بينما لا يحترم الحلفاء». 

ومنذ بداية فترة رئاسته عام 2017. أثنى «ترامب» على القادة المُعادين للولايات المتحدة في عديد من المناسبات، وعلى الرغم من أنه وجه في البداية الكثير من الانتقادات واللوم ضد رئيس كوريا الشمالية، «كيم جونغ أون»، واصفا إياه بأنه «رجل صاروخ صغير» في سخرية من قصر قامته؛ إلا أنه استبدل هذه السخرية بسلسلة من المجاملات بعد الاجتماعات الثنائية بينهما؛ وذهب إلى حد القول أنه: «وقع في حب كيم جونغ أون»؛ كما عبر عن شعور مماثل تجاه الرئيس الروسي، «فلاديمير بوتين»، مع اقتراح ترامب مقابلته في يوليو 2018. قائلا: «أعتقد أنه سيكون لدي علاقة جيدة جدا مع الرئيس بوتين، إذا قضينا وقتا معا».

وفي المقابل، سخر «ترامب» من العديد من الحلفاء الأمريكيين في السنوات الثلاثة الماضية. ومؤخرا، تصدرت هجماته ضد قادة حلف الناتو عقب اجتماعهم الأخير في لندن أوائل ديسمبر2019. للاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيسه، عناوين الصحف؛ وذلك بعد تسريب مقطع صوتي للرئيس الفرنسي، «إيمانويل ماكرون» ورئيس الوزراء البريطاني، «بوريس جونسون» وهما يضحكان، بينما سخر رئيس الوزراء الكندي، «جاستن ترودو» من ترامب، وهو ما رد عليه الأخير من خلال وصف «ترودو»، بأنه «ذو وجهين». وغالبا، ما يجد «ترودو»، نفسه هدفا لهجمات الرئيس الأمريكي أكثر من أي زعيم آخر من حلفائه، حيث تسود بين الاثنين علاقة شديدة الانقسام، ويختلفان حول العديد من القضايا مثل، «اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية» (نافتا)، و«السياسة البيئية»، و«سياسة الناتو» و«مراقبة الحدود». وبعد صدام حول التجارة في قمة «مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى» عام 2018. وصف ترامب، رئيس الوزراء الكندي، بأنه «معتدل ومتسامح»، وكذلك بأنه «ضعيف ومخادع».

وفي إطار هذا الواقع، أحرج ترامب أيضًا عددا من الحلفاء الآخرين في مناسبات عدة، فمثلا انتقد «تريزا ماي»، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، بقوله: «أنتقد بشدة الطريقة التي تعاملت بها المملكة المتحدة وماي مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يا لها من فوضى خلقتها هي وممثلوها». وبعد لقائه الأول مع رئيس وزراء أستراليا الأسبق، «مالكوم تورنبول»، حليف الولايات المتحدة المقرب، وصف الرئيس الأمريكي علنا مشاركة أستراليا في اتفاقية اللاجئين الموقعة بين وواشنطن وكانبرا بأنها «غبية»، كما وصف مكالمة هاتفية مع «تورنبول» بـ«أسوأ اتصال»، وحتى الرئيس الفرنسي، «إيمانويل ماكرون» - الذي يُعد أوثق القادة الأوروبيين علاقة بترامب- لم يسلم من هجماته. ففي عام 2018. عندما اقترح «ماكرون» بناء جيش أوروبي؛ من أجل تقليل اعتماد «الناتو» على الولايات المتحدة، هاجمه «ترامب»، واصفا إياه بأنه «يعاني من حجم شعبية ضعيف جدا في فرنسا يبلغ26%، مع وجود معدل بطالة يبلغ حوالي10%»، وهو ما اعتبره المحللون «هجوما علنيا متعمدا ضد زعيم متحالف لم يسبق له مثيل». 

تقول «نانسي مسلدوني»، السفيرة السابقة لدى بلغاريا في صحيفة «ذا هيل»، «خلال عملي بالدبلوماسية الأمريكية والسياسة الخارجية لأكثر من 35 عامًا، شهدت أوقاتًا من التوتر الشديد بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها بشأن المواقف السياسية، لكن لم يسبق لي أن رأيت طوال حياتي المهنية رئيسًا للولايات المتحدة يبدو وكأنه يفرح بإطلاقه الإهانات العلنية، بشكل واضح ومقصود لمحاولة الحط من رؤساء الدول الآخرين». أما «نيكولاس بيرنز»، السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو، فقد أشار إلى أن أسلاف ترامب، «في تفاعلهم مع الحلفاء، اتبعوا عمومًا قاعدة ذهبية؛ وهي أنه لا يوجد خلافات مع الأصدقاء، فالخلافات تُطرح فقط في الغرف المُغلقة وليس على الملأ، لكن ترامب على النقيض من ذلك، يبدو أنه يستمتع بإهانة والتقليل من شأن الرؤساء الأوروبيين على مرأى ومسمع من بقية دول العالم كافة».

وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب يفتقد للكفاءة واللياقة والمهنية، إلا أن هذا النهج من الانتقاد اللاذع قد أتى بثماره المرجوة في الدبلوماسية الدولية الأمريكية؛ فانطلاقًا من كونه رجل أعمال، يستخدم ترامب أسلوب التفاوض والمساومة لانتزاع تنازلات من حلفائه، بينما حينما يتعلق الأمر بخصومه فيلجأ إلى أساليب أخرى لإخضاعهم مثل «البلطجة الخطابية»؛ إذ يستخدم مفردات للتوبيخ والإهانات. ولعل أهم القضايا التي يلجأ فيها إلى هذا الأسلوب، تلك التي تتعلق بالشؤون التجارية والناتو ومسألة الهجرة؛ ولا يخفى أن تلك القضايا هي التي وعد فيها بالسعي للحصول على أفضل الصفقات بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ويظل يستخدم هذه الطريقة مع القادة عموما حتى ينصاعوا لمطالبه، فإذا ما فعلوا يكافئهم بالإطراء والمديح؛ وهو ما حدث في حالة كوريا الشمالية؛ الأمر الذي دفع بعض المحللين إلى القول بأن هذا النهج مثمر بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية الحالية. يقول «جيمس روبرتس»، الدبلوماسي الأمريكي السابق، إن «مثل هذه البلطجة الخطابية تضعف القادة قبيل أي مفاوضات، فتغريدات ترامب المنتشرة، وما يتسم به من سياسة تفاوض حقيقية وجادة ناهيك عن الهجمات والانتقادات التي قد يشنها العامة ضد أي من قادتهم جراء سياساتهم قد تدفعهم بالنهاية إلى الاستسلام للولايات المتحدة بشكل خاص».

ومع ذلك، فإنه بالنسبة إلى معظم حلفاء الولايات المتحدة، فإن نتيجة استخدام هذه الأساليب غير الدبلوماسية، ليس الاستسلام فحسب، ولكن شيوع حالة من الاستياء وعدم الثقة في ترامب وإدارته. ويبرز «مايكل ماكفول»، من «معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية»، الأمر في صحيفة «واشنطن بوست»، الأمريكية، بقوله: «كان لدى الرؤساء الأمريكيين السابقين خلافات سياسية مع حلفائهم، لكن لم يشخصنوا مطلقًا هذه الخلافات على الأقل علنًا، بينما يعمل ترامب على تأطير العلاقات الثنائية بين واشنطن والدول الأخرى من الناحية الشخصية». ويرى بعض المحللين أن تقويض الرئيس الأمريكي للعلاقات الثنائية، من خلال مهاجمة نظرائه من الدول الحليفة لواشنطن، يسهل على هؤلاء القادة تجاهل مطالبه، من خلال إخبار شعوبهم أن هذه المطالب تمثل ترامب فقط وليس الولايات المتحدة، لذلك سعت تلك الدول إلى بناء علاقات أخرى، مثل فرنسا تحت رئاسة «ماكرون»، بدلا من توثيق علاقاتهم بالولايات المتحدة، والتي أصبحت تتسم سياستها بالتقلب وعدم الموثوقية وعدم قابليتها للتنفيذ على أرض الواقع.

على العموم، إن الإساءات التي يتبناها ترامب تجاه قادة العالم الحلفاء لواشنطن في خطاباته رغم أنها قد تبدو مادة مثيرة للتناول بالنسبة إلى الخبراء والمراقبين، إلا أن لها عواقبها الوخيمة على الدبلوماسية الأمريكية؛ فبينما جادل بعض المحللين أنها قد تكون تكتيكًا فعالا لتأمين المصالح الأمريكية مثل القضايا المتعلقة بالشؤون التجارية والإنفاق العسكري والهجرة؛ إلا أنه في الواقع سيكون لها تأثيرات عكسية، وقد تؤدي إلى عزل هؤلاء الحلفاء واتجاههم إلى بناء شراكات أخرى غير الولايات المتحدة.. وحتى الآن يبدو أن ترامب لا يدرك الضرر الذي قد تسببه هذه الطريقة أو- على الأرجح- ليس لديه أدنى اهتمام بتجنب هذا الضرر، فلقد باتت سمات التقلب والعنف وانتهاك القوانين الدولية وعدم احترام قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تصف ملامح الإدارة الأمريكية الحالية لدرجة أنها أصبحت تميز نهجها تجاه السياسة الخارجية.

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news