العدد : ١٥٣٠٨ - الخميس ٢٠ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٨ - الخميس ٢٠ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تأملات في الظاهرة الحزبية المعاصرة

بقلم: السيد حيدر رضي

الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

يمكن القول إن جذور التأسيس الحزبي قديمة جدا قد تكون ممتدة إلى الحضارات القديمة «الإغريقية» و«الرومانية»، ولُوحظ مشاهد لعمليات تأييد أو معارضة للسلطات السياسية هناك، فضلا عن خلافات عميقة حول أساسيات العدالة والمساواة.

وثمة إجماع بأن الأحزاب السياسية إنما نشأت حديثا في القرن التاسع عشر وتحديدا في عام 1850 في الولايات المتحدة الأمريكية. «انظر نشأة الأحزاب السياسية، ميثم حنظل شريف».

ولعل الأحزاب بضروبها وتكتلاتها وتنظيماتها عديدة ومتنوعة منها الأحزاب الليبرالية المحافظة التي بدأت أعمالها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي تعتمد اعتمادا كليا على شخصيات لغايات انتخابية برلمانية.

ومنها الأحزاب الاشتراكية وهي الأحزاب الممتدة جماهيريا، ومنظمة إلى حد كبير وبها كثير من الوحدات والشعب ولها المهام الانتخابية، علاوة على الأنشطة السياسية والثقافية والمؤتمرات العامة ولجان وطنية ولجان استشارية وغيرها من سبل التنظيمات.

ومنها أحزاب شيوعية وهي أكثر دقة وانتظاما وتأخذ طابع المركزية واهتماماتها بالصراع الطبقي وتعمل بنظام الخلايا المهنية ضمن هيكل تنظيمي متقن تماما.

ومنها الأحزاب العمالية وهي تكتلات ضمن نطاق النقابات العمالية والتعاونيات العمالية ومهن الفلاحة وهي تعتمد على التجمعات المهنية العمالية والتعاونيات الفلاحية. «العمل الحزبي ourbook.info».

وتعدُّ «الظاهرة الحزبية» أحد أهم الظواهر التي عرفتها البلدان العربية وعلى الرغم من شيوعها واستمرارها في المنظومة السياسية العربية فإنها لم تؤد الوظائف التي أدتها وتؤديها الأحزاب السياسية الأوروبية.

لقد أصبحت بلدان عدة تحكمها أحزاب مختلفة وهذه الأحزاب ربما سيطرت على المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في إطار التنمية والتقدم الوطني وتلبية المتطلبات المعيشية للمواطنين من مأكل ومسكن وصحة وتعليم. «إشكالية التجربة الحزبية العربية، سمير الزين».

وقد نشأت كثيرٌ من الأحزاب في وقتنا المعاصر في العراق ومصر وتونس وبخاصة فيما يسمى بثورات الربيع العربي.

وبالرغم من أن كثيرا من القوى السياسية كانت لها إسهاماتها في ثورات الربيع العربي فإنها تواجه الكثير من التحديات في الهوية المؤسساتية وقواعد الدعم والتنسيق وبناء بنية انتخابية مستدامة وغيرها من التحديات.

وبناء عليه فإن عليها أن تتغلب على التحديات المؤسساتية وأن تسهم في توفير ما يحتاج إليه الشعب على المدى الطويل.

ويمكن القول إن هذه الأحزاب الجديدة قد يكون له الدور الأكبر في تحديد المستقبل السياسي لكثير من الدول العربية. «الطريق نحو أحزاب سياسية مستدامة في العالم العربي، مروان المعشر».

ولعل الأحزاب الإسلامية قد نجحت كثيرا في تجاوز الكثير من التحديات والمعوقات وأفلحت إلى حد كبير في التنظيم والتنسيق والتماسك وبناء عليه فإن هذه الأحزاب أسست بنية تنظيمية قوية بل حديدية وقد تعرض أكثر منتسبيها إلى القمع والتشريد والمطاردة ولكنها دائما تخرج متماسكة.

وقد نطرح سؤالا لماذا ينجح الإسلاميون السياسيون في التنظيم؟! والإجابة سهلة جدا فإن عمليات القهر والمطاردة والقمع جعلتهم أقوياء متماسكين، أضف إلى ذلك روح العقيدة الدينية القوية التي ينطلقون منها وتربي فيهم روح الانضباط التنظيمي فيتربى الفرد من الجماعات الإسلامية على طاعة الله والإخلاص في الدين والولاء والطاعة للحزب! فيتحول التنظيم الحزبي إلى عقيدة وعبادة. «فشل النخب العربية في تكوين الأحزاب السياسية الكبيرة، نورالدين العلوي».

في الأدبيات الإسلامية لا تشكل الأحزاب والانتماء إليها مع حالة العصبية منافاة لروح وجوهر الإسلام الداعي إلى الوحدة والتآزر؟

والحق أنه ساد جدل كبير في مشروعية الأحزاب في الأوساط الإسلامية فنجد من لا يراها البتة ومن يجيزها، ومنشأ الخلاف هو الخلاف حول الأدلة الشرعية، فالقائلون بعدم جوازها نعتقد أنهم استدلوا بأدلة منها عدم وجودها في الأزمنة الإسلامية، ولم يعرفها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه ولا الأئمة والصالحون وأن وجودها حديثا قد يبنى على شرعية البدعة.

واستدلوا أيضا بأن الأحزاب هي ثمرة من ثمرات الثقافات الماركسية الكافرة نظير التقدم الديمقراطي في الغرب وهذا يعني تقليدا للغرب والتخلي عن أساليب السياسة الإسلامية المشروعة. «حيدر حب الله hobbollah.com».

ومن استدلالاتهم الزعم بأن الأحزاب مدعاة إلى التفرق والتشرذم وهذا ينافي العقيدة الإسلامية الداعية إلى الوحدة.

وقالوا أيضا إن الأحزاب وردت في القرآن الكريم بصيغة الذم وهذا يستدعي وقفة مع مشروعية الحزب في ضوء القرآن، وإن كان البعض قد قال إن هذا الاستدلال ضعيف جدا.

وربما استدلوا أيضا بسلبيات العمل الغربي عموما مع مرور الزمن، وبخاصة مع نفوذ الأحزاب وتأثيراتها على العمل السياسي والاجتماعي في المجتمعات الإسلامية بما يؤدي إلى إضعاف دور رجال الدين والمؤسسات الدينية والمرجعيات وبما يمثل ذلك من خطر محدق على القرار الديني وهذه إشكالية قد تُثار في المحاضر الإسلامية.

في مقابل ذلك نجد الكثيرين ممن يجيزون العمل الحزبي يقولون إن الأدلة المشار إليها لا ترتقي إلى مسألة الحرمة وبالتالي لا يوجد دليل معتبر على حرمة العمل الحزبي. «المصدر نفسه».

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبا فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة أو نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عن من لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى، فإن الله ورسوله أمر بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرق والاختلاف».

ويرى المرحوم السيد فضل الله «حلية العمل الحزبي إذ يجد فيه وسيلة من وسائل العمل الإسلامي والدعوة إلى الله شريطة الابتعاد عن العصبية والفئوية ولابد أن يكون الحزب واضح البرنامج منقادا لتعاليم الشرع، منفتحا على الآخرين، بصيرا بالشأن العام. «انظر فتاوى فضل الله».

ويشير باحثون إلى أن نجاح الأحزاب مرهون بحسن تدبيرها وسياستها التي تقوم على المراجعة الذاتية وحسن التكليف وصياغة البرامج الحزبية وفق هدف المصلحة العامة، أي أن الحزب من أجل الوطن وكذا قدرة الحزب على تمثيل قطاع عريض من السكان واعتماد قيم التوافق والتعددية الفكرية داخل الحزب وحلحلة الصراعات الداخلية عبر آليات الحوار والتفاهم.

ومن الخطأ النظر إليها على أنها مقدسة كما أنه من الخطورة أن تصبح مصالح الحزب قبل مصالح الوطن. «انظر ملاحظات حول العمل الحزبي، سليم نزال».

وفي رأينا أن الأحزاب كاختراع واجتهاد بشري إذا ما انطوى على خدمة الإسلام ورعاية المجموع الشعبي برمته والتزمت بضوابط الإسلام وإذا لم تؤد هذه المجموعات إلى انشقاقات وفتن في المجتمعات المسلمة فهي مرحب بها على كل حال في نطاقات ضيقة.

وقد تؤدي الأحزاب في بعض مجتمعات الإسلام إلى لون من التعصب والفتنة وانقسام في المجتمعات وتناحر بين الأفراد كل يريد أن يفرض رأيه والكل يرى أنه هو الأصلح وهذا ما نراه في بعض الدول.

وبناء عليه فإن العمل الحزبي تحوم حوله عدة إشكاليات وسلبيات عديدة نذكرها هنا لتفاديها مستقبلا.

فمنها تقديس الرموز: وهي إحدى الطامات الكبرى التي ابتليت بها الأحزاب وغير الأحزاب فما يصدر منهم هو الحق وما يبدر عنهم هو الصواب، وبعبارة أخرى هي عصمة الأحزاب وهذا خطأ كارثي تعاني منه بعض الأحزاب وغير الأحزاب من الشخصيات السياسية والشخصيات ذات النفوذ وغيرها من التيارات المختلفة الدينية وغير الدينية.

ولابد في حالة تصحيح هذه السلبيات من إشاعة النقد والنقد البناء والنظر إلى رؤساء الأحزاب على أنهم بشر يخطئون كغيرهم ومعرضين للمراجعة الشاملة والنقد الذاتي.

ومنها النفعية المحدودة لمنتسبي الحزب نفسه وهذه إشكالية كبيرة وخطيرة في الوقت ذاته، وقد تؤدي إلى انقسامات حادة في المجتمعات قد يعينون أفرادا في مناصب لكونهم من منتسبي الحزب وقد يمنح أناسا مزايا خاصة لا تمنح لغيرهم من الناس وقد يحصل أبناء قيادات الحزب على وظائف كبرى بينما يستبعد من هم الأكفأ والأجدر والأقدر، فيشيع التمييز في المجتمعات وتضيع الحقوق ويتعامل مع الناس على أساس تمييز عنصري وطبقي محض.

ومنها حظر النقد الذاتي مطلقا بل ربما يشكل جريمة قد يطرد الأفراد من المؤسسة الحزبية فلا مجال للنقد أو الاعتراض، وكل ما يصدر عن الحزب صحيح ولا يمكن الاعتراض عليه وهذه إشكالية مقيتة فالمرحب به المدَّاح بل يمكن أن يرتقي في الحزب.

إن غياب النقد الذاتي في المؤسسات الحزبية تجعل هذه المؤسسات تعج بالأخطاء وبالاستراتيجيات الخاطئة.

وبناء عليه فإن النقد الذاتي ضرورة للوقوف على الأخطاء وتصحيح المسار وخلق بيئة صحية سليمة وناقدة في الوقت نفسه.

ومنها التعصب الحزبي المذموم فيرون أنفسهم هم الأجدر والأقوى إذ يصابوا بالنرجسية وربما تذهب تعلقاتهم الحزبية أكثر من الانتماء إلى الإسلام أو الوطن، هذه مصيبة كبرى في العمل الحزبي.

وبعضهم قد يقدم المصالح الحزبية على المصالح الدينية وفي هذا الأمر مخالفة شرعية صحيحة.

ومنها من الإشكاليات الخطيرة جدا الحضور القوي جدا للأحزاب وتناميها وغياب دور الإسلام وقيمه الحقة وتعاليمه السديدة فتهفت الأمور الدينية وربما تضيع مع ارتفاع المد الحزبي وقد ينتج عن هذه الظاهرة حالات استبدادية وظهور زعماء سياسيين لا يتغيرون حتى وفاتهم.

هذه الإشكالية الخطيرة لهي محل توقف وتأمل وهي انحراف كبير في منظومة الأحزاب السياسية المختلفة.

إن الإسلام ينشد ويشجع بشكل كبير التنظيمات والمؤسسات التي تخدم المجموع الكلي للشعب أو هي ذات النفع الجمعي العام لما فيه من خدمة الشعب برمته دون تمييز، ولما فيه من تطبيق لأسس العدالة والمساواة، فهو يأمر بمشاريع دعم الفقراء والمحتاجين وبناء السدود والجسور وتشييد المصالح العامة وتنمية القطاع الزراعي والصناعي وتشغيل العاطلين وتزويج الشباب وكفالة الأيتام والأرامل ومشاريع الإسكان الخيري والنجدة الإنسانية وغوث اللاجئين وحفر الآباء للمناطق الجافة وغيرها من المؤسسات ذات الطابع النفعي العام.

وعندنا في تراث الإسلام كم هائل من النصوص الشرعية التي تشير إلى هذا المنحى يقول الله عز وجل: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه)، وقال تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية).

وقول النبي عليه الصلاة والسلام «الرجل في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس» ابن حبان.

وعن هشام بن سالم كان أبوعبدالله إذا أعتم وذهب من الليل شطره أخذ جرابا فيه خبز ولحم ودراهم فحمله على عنقه ثم ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة قسمه بينهم ولا يعرفونه فلما مضى أبوعبدالله فقدوا.

ويروى أنه في زواج فاطمة اعترضتها مسكينة فنزعت فاطمة ثوبها الجديد وأعطته إياها ولبست هي ثوبها العتيق فلما ورد عليها الرسول صبيحة العرس وعليها الثوب الخلق قال يا فاطمة أين ثوبك الجديد؟ قالت: أنفقته في سبيل الله، قال الرسول وهو يريد اختبارها لتعليم الناس، هلا أنفقت الثوب الخلق؟ قالت: لأني سمعت أن أمي خديجة ليلة زواجها سألتها مسكينة فأعطتها ثوبها الجديد، وهي دخلت غرفة الزفاف بثوبها الخلق.

والأحاديث في هذا المقام كثيرة وقد اخترنا منها في مورد الحاجة إلى الاستدلال.

وبناء عليه فإننا نشد على عضد ونشيد بجهود 3 مؤسسات بمملكتنا الزاهرة حفظها الله من الشرور أسهمت بقدر كبير في خدمة المجموع الشعبي برمته وخدمة المواطنين جميعا على حد سواء.

الأولى المؤسسة الخيرية الملكية بكفالتها الأيتام والأرامل ومساعداتها الخيرية المطلقة للجميع داخل البحرين وخارجها.

الثانية: جهود جمعية الهلال الأحمر البحريني وما تقدمه من خدمات عابرة للقارات وبتنظيم مؤسسي نفعي للجميع.

الثالثة: المشاريع الكبرى التي نفذتها إحدى أكبر البيوت والشركات التجارية بالمملكة من المساجد والمراكز الصحية المنتشرة بجميع محافظات المملكة والصالات الكبرى وهي مشاريع رائدة تعود بالنفع على جميع المواطنين.

وهكذا تتجلى عظمة الإسلام في حثه وأمره بالتنظيم المؤسسي النفعي العام والتي تعود فوائده إلى عموم المسلمين.

وللحق فإنه شهد عصر صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى طفرات نوعية في العمل المؤسسي النفعي للجميع، وما كثرة المؤسسات والمبرات والصناديق والأقسام الخيرية في المؤسسات التجارية إلا شاهد كبير على تنامي وازدياد وتيرة العمل المؤسسي الخيري للجميع، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

S-HAIDER64@hotmail.com

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news