العدد : ١٥٣٤٥ - السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٤٥ - السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ شعبان ١٤٤١هـ

بصمات نسائية

عالجت طفلي المتوحد بالحب لأنني لا أملك نفقات الرعاية الصحية

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ١١ ديسمبر ٢٠١٩ - 11:49

قصة زوجة معنفة.. لا تملك مأوى أو نفقة.. أم لطفل متوحد.. عضو مؤسس لجمعية التوحديين البحرينيين.. زينب أحمد جاسم لـ«أخبار الخليج»:

يقول الفيلسوف أرسطو:

«الصبر الذي يذيق صاحبه طعم المرارة.. نتائجه جميلة» 

نعم، فالصبر في أحيان كثيرة يكون مصدر القوة لدى الإنسان، وهذا ما حدث فعليا مع هذه المرأة التي تعرضت على مر مشوارها لكثير من أنواع الأذى، ولكنها قاومت، ولم ترض بالهزيمة، فحين يصيب الله سبحانه وتعالي عباده بمختلف الابتلاءات، هنا يتضح القوي من الضعيف، وهو ما تجسده قصة هذه المرأة التي عانت كثيرا، وصمدت في وجه قسوة الحياة. زينب أحمد جاسم، مأساتها مشابهة لكثير من قصص أمهات لأطفال مصابين بالتوحد، ولكن لم يكتف القدر بهذه المعاناة التي تدمي القلوب، بل شاء لها أن تتعرض لكل أشكال العنف النفسي والجسدي من زوج تعترف بأنها قد أخطأت من البداية عند اختياره، وهي مشكلة لا يكاد يخلو منها أي مجتمع، مهما بلغت درجة تحضره، وتقدم أوضاع المرأة به.

هي بالفعل امرأة قوية، تحدت كل من يحاول كسرها، ورغم أنها عجزت ماديا عن إكمال تعليمها، وعن توفير نفقات الرعاية الصحية لطفلها المتوحد، إلا أنها عالجته بالحب، وطورت من ذاتها، رغم أنها بلا مأوى أو نفقة، ومحملة بديون مالية بالألوف بعد طلاقها.

القدرة على الاستمرار هي أعظم صفاتها، والصبر على مواجهة الشدائد كان مصدر قوتها، والإصرار على الصمود كان وقودها، لذلك استحقت تجربتها التوقف عندها تفصيلا في الحوار التالي:

متى بدأ مشوار المعاناة؟

بدايتي مع المعاناة كانت مبكرة للغاية، وتحديدا عندما عجزت عن إكمال تعليمي لظروف عائلية ومادية، الأمر الذي سبب لي أزمة نفسية شديدة، إذ التحقت بالجامعة لدراسة تخصص الأدب الإنجليزي، وبعد ثلاث سنوات توقفت عن المواصلة، وتزوجت عند عمر العشرين عاما، وهنا بدأت معاناة من نوع آخر.

وما المعاناة؟

تجربة زواجي كانت مؤلمة وقاسية للغاية، وأعتقد أن الاختيار الخاطئ يلعب دورا مهما للغاية في مدى نجاح أو فشل الحياة الأسرية، وهذا ما حدث معي على أرض الواقع، إذ انتهى زواجي بالطلاق، بعد أن بلغت ديوني المادية لمساعدة زوجي في تحمل نفقات الأسرة حوالي 23 ألف دينار، وبعد كل العنف الجسدي واللفظي الذي تعرضت له لسنوات طوال، وجدت نفسي في نهاية المطاف بلا مأوى أو نفقة، وحاملا في طفلي الثالث، والأنكى من ذلك أن زوجي تزوج بأخرى، هذا فضلا عما عانيته في ظل القدر الذي اختار لي أن أصبح أما لطفل متوحد، والذي مع الوقت شعرت بأنه نعمة كبيرة رزقني بها الخالق. 

حدثينا عن تجربتك مع طفلك المتوحد؟

ابني المتوحد عمره حاليا عشر سنوات، وهو أول أبنائي، ولي طفل آخر عمره سبع سنوات، فضلا عن طفلي الذي أنتظر ولادته قريبا، وبالنسبة لتعاملي مع طفلي المتوحد فقد حرصت منذ البداية على التعاطي مع حالته بأسلوب تربوي خاص، كما أنني حاولت أن ألحقه بمركز تربية خاصة، وذلك أثناء فترة عملي، وقد اقترضت مبالغ ضخمة لإعانتي على علاجه، وتكفلت بنفقاته المرتفعة نسبيا وذلك بمفردي، إذ وصلت نفقاته إلى 250 دينارا شهريا للمركز، ولكني مع الوقت لم أستطع إكمال المشوار ماديا، فاعتمدت بشكل أساسي على أسلوب آخر لا يقل أهمية.

وما هو ذلك الأسلوب؟

الأسلوب الفعال البديل للعلاج الطبي هو العلاج بالحب، فهذه هي الوصفة السحرية التي توصلت إليها فعليا من خلال تجربتي مع ابني، والتي استطعت من خلالها تحسين حالته بشكل كبير، فكلفة الحمية الغذائية التي تلائم حالته مرتفعة للغاية تصل إلى حوالي 500 دينار شهريا، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى كثير من الأسر خاصة من ذوي الدخل المحدود، هذا فضلا عن نفقات عمليات التدريب على المهارات المختلفة، وتوفير المكملات الغذائية وغيرها من الأمور، وهو طريق طويل ومتشعب وشاق لم أقدر على السير فيه إلا لفترات محدودة تحسنت خلالها حالته كثيرا. 

وكيف تحسنت حالة ابنك؟

كما ذكرت سالفا الحب كان عاملا أساسيا في علاج هذه الحالة وتحسنها بشكل ملحوظ، هذا فضلا عن توفير فرص للتدريب على لغة الإشارة والتقليد وغيرها من الأمور التي تمكنه من التواصل مع المحيط الخارجي، وهو ما حرصت على توفيره له قدر المستطاع، إذ ألحقته بجهات معينة للتدريب على رياضات مثل السباحة والفروسية، وقد كان أول طفل التحق بمركز فارس الفرسان لتدريب الأطفال من ذوي التوحد، وبالفعل حقق درجات متقدمة من إتقان هذه الرياضة، ولكن للأسف تراجعت حالة ابني بسبب بعض الأدوية، ونشأته في بيئة أسرية غير سوية أثرت عليه سلبا نفسيا وصحيا.

ما أصعب مرحلة؟

أصعب مرحلة كانت حين تراجع بصر ابني، لدرجة أنه لم يعد هناك تواصل بصري أو اجتماعي مع الآخرين إلى جانب عدم وجود رغبة لديه في تناول الطعام الأمر الذي زاد من ميله لممارسة العنف وبروز مزاجه العصبي بشكل لافت، رغم أنني حاولت توفير بعض الأطعمة الخاصة التي تلائم حالته، ومؤخرا انتقلت حضانته إلى الأب، وهو يعيش حاليا مع زوجة أبيه.

كيف كان تأثير انتقال الحضانة إلى أبيه عليه؟

للأسف لا أعلم عنه شيئا منذ انتقاله إلى حضانة الأب، وكم كنت أتمنى أن يعامل الطفل المتوحد معاملة قانونية خاصة أو استثنائية عند البت في قضايا الحضانة، وما أخشاه أن يتعرض لانتكاسة نفسية بسبب هذه النقلة الفجائية التي حدثت له وابتعاده عني وعن أخيه الذي يعاني هو الآخر من غيابه.

أين تقيمين حاليا؟

اليوم أعيش مع قريبة لي أنا وابني الثاني وفي انتظار ولادة طفلي الثالث، وكلي أمل في تلقي أي مساعدة من الجهات المعنية لإعانتي على هذه الحياة الصعبة، خاصة وأنني لا أستطيع العمل حاليا لظروف حملي وانشغالي بتوصيل ابني الثاني للمدرسة، وكل ما أركز عليه حاليا هو مساعدة الأمهات اللاتي لديهن أبناء متوحدين، من خلال تقديم النصح والدعم لهن عبر حسابي على الانستجرام وتوجيه العديد من الرسائل لهن والتي تعينهن على مواجهة مثل هذه التجربة الصعبة.

وما أهم مضامين تلك الرسائل؟

أقول لأي أم لديها طفل متوحد إنه ليس هناك شيء مستحيل، فقط عليها أن تحتضن ابنها وتحبه ولا ترفضه أو تتخلى عنه، وأن تخرج به إلى المجتمع، فهناك للأسف أسر كثيرة تهدمت بسبب وجود طفل من ذوي الإعاقة بين أفرادها، كما أؤكد عدم ممارسة أي عنف على هؤلاء الأطفال سواء من قبل الأم أو الأب أو الإخوة والأخوات، ومحاولة توفير بيئة مناسبة وآمنة لهم، لأن العنف يولد العنف وهذا ما حدث بالنسبة إلى زوجي الذي ذاق طعم العنف في طفولته، فأصبح يمارسه على غيره في الكبر، وكنت دائما أؤكد أن ولادة طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة لا تعني بالضرورة تكرار نفس التجربة مع الولادات اللاحقة، وهذا نقلا عن تجربتي الشخصية.

ما هي الرسالة الأكثر تأثيرا؟

أذكر هنا رسالة كانت ذات تأثير كبير وقد تطرقت فيها إلى مشاعر أمهات هؤلاء الأطفال أمام سلوكيات أبنائهم التوحديين والتي تبدو للبعض بأنها سوء تربية أو قلة أدب كالصراخ الشديد أو ممارسة بعض أنواع العنف على الملأ، ووصفتهن بأنهن ملكات في أرقى ممالك الأمومة وأعلاها تضحيات، كما نصحتهن بالابتسامة لأنها أقوى من ألف دمعة، وبأن يتحلين بالأمل، ويصبحن كالصخر، وأن يزرعن ألف بذرة على حبال الألم، لعل إحداها تثمر، وأن يدركن أن المشوار طويل، لذلك هو بحاجة إلى الصبر، والحكمة، ومن المؤكد أن كل شيء سيكون جميلا يوما ما.

كيف أسهمت في تشكيل جمعية التوحديين؟

حالة ابني كانت وراء تشكيل جمعية التوحديين البحرينيين وذلك مع مجموعة من أولياء أمور حالات مشابهة، وقد كنت عضوة مؤسسة في عام 2015. وقد تحسنت حالة ابني كثيرا في ذلك الوقت بسبب نشر الوعي الخاص بكيفية التعامل مع هذه الحالات، وهو دور مهم يحسب للجمعية، استطاعت من خلاله تطوير الكثير من الأطفال التوحديين، حتى إن طفلي أصبح يتفاعل اجتماعيا بشكل ملحوظ، كما استطاع أن يقوم ببعض الأنشطة مثل الرسم، فضلا عن إتقان مهارة التقليد والتي أسهمت في منحه القدرة على التعبير عن مشاعره بشكل كبير. 

أمنية؟

أتمنى إصدار تشريعات تغلظ من أحكام ممارسة العنف ضد المرأة، وأطفالها المعاقين، فهناك الكثير من الأبناء المتوحدين وخاصة من غير الناطقين يتعرضون لأشكال مختلفة من العنف من قبل أهاليهم، ولا يستطيعون التعبير عن ذلك ويعانون الأمرين، ولا تتوافر لهم الحماية القانونية اللازمة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news