العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

أمريكا والعالم من عام 1989 إلى عام 2019

بقلم: آرنو بالفي {

الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

بعد مرور ثلاثين سنة كاملة على سقوط برلين سنة 1989 هل يمكن مواصلة استخدام مفهوم «قوة عظمى» في وصف الولايات المتحدة الأمريكية؟ 

خلال هذه الفترة الممتدة عبر ثلاثة عقود، انتقلت السياسة الخارجية الأمريكية من القيادة إلى الهيمنة، التي أصبحت اليوم محل تنافس عسكري واقتصادي وثقافي مع القوى الأخرى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية. 

بعد أن «هزمت» الاتحاد السوفيتي وحاربت الإرهاب على مدى عقدين من الزمن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ترى في الصين عدوها الأول غير أن المواجهة تظل اقتصادية بحتة ولم تصل إلى الجانب العسكري. 

يوم 9 نوفمبر 1989 سقط جدار برلين وانهارت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، قبل أن يتفكك الاتحاد السوفيتي بدوره وينهار يوم 8 ديسمبر 1991 لتطوى صفحة مهمة في العلاقة الدولية التي سادت فترة الحرب الباردة. 

كان الأمريكيون يعلمون أن الاقتصاد السوفيتي في حالة يرثى لها ويدركون أن الشعب الروسي يطمح الى المزيد من الحريات. رحب الأمريكيون وحلفاؤهم بتعيين ميخائيل غورباتشوف سنة 1985 في منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وقبلوا باستئناف الحوار مع موسكو بناء على طلبه. 

أطلق ميخائيل غورباتشوف مبادرتين للإصلاح تعرفان باسم سياسة «الغلاسنوست» وسياسة «البيريسترويكا» وقد رأى فيهما الأمريكيون والغرب بصفة عامة بداية مشجعة غير أنه لا أحد في الغرب كان يتوقع أن يؤدي ذلك الى سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار الكتلة الشيوعية. 

وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها على الساحة الدولية من دون منافس يضع قوتها الاقتصادية والعسكرية ونموذجها الثقافي على المحك. صحيح أن هذه القيادة الأمريكية لا تزال بعد مرور ثلاثين سنة تشكل العلاقات الدولية غير أن الولايات المتحدة لم تعد تلك التي تقود أو تفرض الهيمنة الكاملة باعتبارها «القوة العظمى». 

من المهم أن ندرس السياسية الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة (1990 – 1991) ونحلل طبيعة اختيار الرجال الذين تعاقبوا على المكتب البيضاوي في البيت الأبيض والذين واجهوا التحديات والرهانات السياسية والاستراتيجية الجديدة في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة. 

يتعين التركيز أيضا على رصد التحولات التي طرأت على السياسة الخارجية الأمريكية نتيجة التغييرات الجوهرية التي عرفها النظام الدولي مع نهاية القرن العشرين، وقد اقترنت تلك التحولات بهجمات 11 سبتمبر 2001 التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية وتأثر العالم بأسره بتبعاتها الوخيمة في ظل ضخم العولمة والترابط الاقتصادي وهو ما حول العالم إلى قرية صغيرة. في ظل تلك التحولات تأثر وضع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل بروز عالم متعدد الأقطاب وصعود القوة الصينية وعودة روسيا إلى الساحة الدولية بعد امتصاص صدمة انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الشيوعية. 

تجلت القيادة الأمريكية في فترة التسعينيات، والتي تزامنت مع إدارة الرئيس بيل كلينتون والذي أمضى في البيت الأبيض 8 سنوات. 

فعقب سقوط جدار برلين ووجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدون أي عدو «إيديولوجي» كما أنها أصبحت القوة العظمى الوحيدة على الساحة الدولية.

يذكر أن الرئيس الأسبق هاري ترومان هو الذي كرس سنة 1947 الدور القيادي لبلاده في صلب العالم الحر. عقب سقوط الجدار الحديدي أصبح هذا «العالم الليبرالي الغربي الحر» مقبولا حتى في أبعد الدول الآسيوية في ظل الأطر المتعددة الأطراف. 

خلال الأسابيع التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتي راحت إدارة الرئيس جورج بوش الأب تتساءل على غرار كل رؤساء دول العالم. ما الذي سيحدث في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الشيوعية؟ 

كتب المحلل السياسي جون مولر يقول آنذاك: «إن انهيار الاتحاد السوفيتي يعني موت كتلة سياسية منسجمة كانت تسهم، من خلال دور المعارضة الذي تلعبه، في هيكلة العالم المسمى «الحر والليبرالي» في صلب النظام العالمي الجديد. إن انهيار الاتحاد السوفيتي يعني أيضا نهاية نظام إيديولوجي كان يقوم على مفردات معينة وخطاب سياسي محدد ومنظومة معينة من القيم». 

أما وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبرت فيدرين، فقد كتب بدوره يقول: «لقد تركت المفاجأة مكانها بسرعة لمشاعر الحماسة. لقد خرجت الولايات المتحدة الأمريكية منتصرة ومنتشية من الحرب الباردة التي حطت أوزارها. يبدو أنها ستكون القوة العظمى الوحيدة في العالم كما أنه سيكون بإمكانها فرض نظام عالمي جديد على بقية الشعوب والأمم».  

بدأت إرهاصات الهيمنة الأمريكية على العالم بعد ذلك. 

في سنة 1991 شكل وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني فريق عمل للتفكير في الاستراتيجية التي يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأعوام القادمة. ضمت هذه المجموعة عدة شخصيات من أمثال بول ولفويتز وإرفي لويس ليبي وإريك أديلمان، وهم من المحافظين الجدد الذين يوصفون بأنهم من «المفكرين الذين يتمتعون بصلابة فكرية كبيرة والذين يحملون رؤية قوية وأكثر من جرأة من أي كان في واشنطن». 

في سنة 1992 حصلت صحيفة نيويورك تايمز على نسخة من المسودة الأولى للتقرير الذي وضعته هذه المجموعة وقد جاء فيه ما يلي على وجه الخصوص: «يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحول دون قيام أي قوة جديدة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية ومنع أي دولة أو تحالف من التحول إلى قمة عظمى في العالم». 

أثارت تلك التسريبات الصحفية في تلك الفترة موجة واسعة من الانتقادات، الأمر الذي اضطر معه ديك تشيني إلى مراجعة مسودة التقرير. ظهرت النسخة المعدلة بعد شهرين وقد طالبت من خلالها مجموعة العمل بضرورة العمل على خفض الاستثمارات والنفقات العسكرية في العالم، الأمر الذي سيحقق التوازن بين الشعوب والدول. شدد التقرير المعدل أيضا على ضرورة العمل على تعزيز دور المنظمات الدولية، وخاصة منها منظمة الأمم المتحدة، إضافة إلى مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في التحالفات العسكرية كلما اقتضت الضرورة ذلك. 

توافقت هذه الرؤية مع نهج الرئيس جورج بوش الأب الذي أبدى تأييده لتقوية دور المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، وهو ما يعني نهاية المغامرات الأحادية الجانب والرامية إلى التصدي إلى تنامي وتمدد الخطر الشيوعي الأحمر في مختلف أنحاء العالم. 

رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية حافظت على تفوقها الساحق في مجال التقنية العسكرية، فإن إدارة جورج بوش الأب كانت تعتبر أن كل التدخلات يجب أن تتم تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة على أساس بناء تحالف عسكري بتفويض من الأمم المتحدة، على غرار ما حدث خلال حرب الخليج الأولى (1990-1991).

اعتبرت حرب الخليج الأولى واحدة من التداعيات والنتائج الناجمة عن تحول العلاقة بين الشرق والغرب وضعف الاتحاد السوفيتي على الساحة الدولية، وخاصة أن الإمبراطورية السوفيتية كانت آنذاك في طريقها الى التفكك، كما اعتبرت حرب الخليج الأولى رمزا للنظام العالمي الجديد الذي كان يريده الرئيس جورج بوش الأب ومستشاره للأمن القومي الجنرال برنت سكوكروفت. 

أما من الناحية الديمقراطية فقد أطلق الرئيس جورج بوش الأب سياسة اندماجية متعددة الأطراف من خلال المؤسسات الدولية. فقد أطلقت واشنطن مبادرة التعاون الإقليمي في أمريكا الجنوبية حول القيم الديمقراطية والليبرالية. يتمثل الهدف منها بناء منظومة ديمقراطية وليبرالية واسعة في الشطر الجنوبي من العالم. في الحقيقة، ان مثل هذه المبادرات عبارة عن أدوات تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل توسيع هيمنتها وتقوية نفوذها في مختلف المناطق في العالم في مواجهة الاتحاد الأوروبي الذي كان في مرحلة البناء. 

اعتبرت سلطات واشنطن أن كل دول ستتبنى لا محالة النموذج الديمقراطي والليبرالي الأمريكي، وذلك بعد أن خرجت الولايات المتحدة الأمريكية والغرب معها منتصرين من الحرب الإيديولوجية ضد الإمبراطورية الشيوعية الروسية التي انتهى بها الأمر إلى الزوال والاندثار. هذا الاعتقاد هو الذي دفع المنظر والأكاديمي الأمريكي فرنسيس فوكوياما إلى تأليف كتابه «نهاية التاريخ». 

كانت التطورات التي حدثت ما بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي أيضا بداية لما أسماه المنظر الأمريكي جوزيف ناي منذ فترة الثمانينيات من القرن الماضي بداية عصر «القوة الناعمة الأمريكية» – آي آلية العولمة والتحول والتغيير من خلال قوة الجاذبية الاقتصادية والثقافية والتقنية الأمريكية. 

يعتبر الكتاب والمحللون أن الولايات الأمريكية قد مارست في تلك الفترة بالذات دور القيادة أكثر مما سقطت في الهيمنة. فقد سعت واشنطن آنذاك إلى تكريس نجاحها في فرض قيمها في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية مستندة في ذلك الى تطوير الشبكة العنكبوتية ومختلف الأدوات الرقمية الأخرى. 

في الفترة ما بين سنتي 2001 و2013 تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى شرطي العالم في مواجهة ما كانت تسمية سلطات واشنطن في ظل إدارة جورج بوش الابن «فوضى العالم». 

لم تسع إدارة الرئيس بيل كلينتون إلى تقويض السياسة التي كان قد انتهجها سلفه جورج بوش الأب غير أن القيادة الأمريكية للعالم قد أصبحت محل شكوك وانتقادات مع نهاية القرن العشرين، فقد تميزت فترة التسعينيات بتسوية العديد من النزاعات والأوضاع الأخرى العالقة، التي وصلت إلى طريق مسدود، على غرار ملف البوسنة والهرسك التي شهدت حربا دامية بعد انفصالها عن يوغسلافيا التي تفككت بدورها وانهارت على غرار الامبراطورية السوفيتية. 

مع نهاية فترة التسعينيات من القرن العشرين الماضي لوحظت العودة إلى النزعات القومية في العالم، بالإضافة إلى تنامي التيارات والحركات الدينية المتطرفة، وخاصة في الدول الأوروبية وإفريقيا وآسيا، وهي الظواهر التي مثلت تهديدات قوية في ظل تصميم الولايات المتحدة الأمريكية على فرض النظام العالم الجديد. 

في ظل الخوف يمثل أحد محركات السياسة الخارجية الأمريكية وقد طفا محرك الخوف من جديد مع نهاية القرن العشرين وتولي جورج بوش الابن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية. منذ نهاية فترة الثمانينيات ظلت مجموعة من المفكرين والباحثين تعلن النهاية المحتومة للقوة الأمريكية في العالم – على غرار المؤرخ البارز بول كنيدي سنة 1987. 

اعتبر هؤلاء أن الولايات المتحدة –وعلى غرار كل الامبراطوريات الأخرى على مر التاريخ– ستدخل في الانحدار إذا لم تخفض نفقاتها الهائلة وتحد من تدخلاتها العسكرية في الخارج. اعتبر هؤلاء منذ فترة نهاية الثمانينيات أن كل المؤشرات حمراء وباتت تنذر بالخطر الذي يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية على غرار ضعف الدولار وتراكم الديون وتراجع القدرة التنافسية في مواجهة المنافسين اليابانيين والأوروبيين. 

بعد مرور عشرة أعوام على التحليلات الاستشرافية التي أطلقها المؤرخ بول كنيدي، نشر المنظر والأكاديمي الأمريكي صامويل هنتجتون كتابه «صدام الحضارات» الذي أحدث ضجة كبيرة، وخاصة عندما توقع حدوث «شرخ ثقافي واجتماعي في العالم وصعود العنف اللاعقلاني في الدول والمجتمعات». 

لم يكن بول كنيدي وصمويل هنتجتون المفكرين الوحيدين اللذين استشرفا مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية والعالم وعبرا عن كل تلك المخاوف. فقد كتب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وليام كوهين في التقرير العسكري الفصلي الصادر سنة 1997 يقول: «خلال الأعوام العشرة الماضية شهد العالم تغييرات عديدة وتحولات كبيرة ومتسارعة. فقد تفككت الإمبراطورية السوفيتية وسقط الجدار الحديدي وانهار جدار برلين... لقد احتفل الشعب الأمريكي وانتشى كثيرا بهذه التحولات كما أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تتراخى الآن، شعورا منها بأن قيمها ستنتشر في الخارج وتسود العالم في ظل ما يسمى «القرن الأمريكي». يجب أن نخفف من شعورنا بنشوة الانتصار وندرك رغم أن خطر الحرب العالمية قد تراجع، فإن العالم سيشهد ظهور تهديدات وأخطار جديدة قد تكون أكثر صعوبة وتعقيدا في الآفاق»!

القوة الأمريكية العظمى تترنح

في سنة 2001 فرضت الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها على العالم. فعلى الصعيد الاقتصادي، استأثرت الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 22% من الناتج الخام الأمريكي كما أن النفقات العسكرية الأمريكية تمثل أكثر من ثلث النفقات العسكرية في بقية دول العالم بأسرها. 

أسهمت العولمة إلى حد كبير في نشر الثقافة الاستهلاكية الأمريكية والنموذج الثقافي الأمريكي أيضا. بعد المحاولة الأولى التي استهدفت مركز التجارة العالمية سنة 1993 وتفجير مبنى السفارة الأمريكية في العاصمة الكينية، نيروبي، والهجوم الذي تعرضت له المدمرة الأمريكية كول سنة 2000 في ميناء عدن في اليمين، تعرضت الولايات المتحدة لهجمات جديدة بالطائرات يوم 11 سبتمبر 2001 وهو ما أدخل الولايات المتحدة الأمريكية في دوامة من الشك حول قيادتها للعالم، وقد انعكست توابع تلك الهجمات على الغرب وبقية العالم. 

لم تتوان إدارة الرئيس جورج بوش الابن آنذاك في الانتقال من «القوة الأمريكية الناعمة» إلى «القوة الكلاسيكية» القائمة على العضلات المفتولة – من خلال تكثيف التدخلات العسكرية في مناطق عديدة من العالم. هكذا لم «تكن نهاية التاريخ» كما كان يتوقعها فرنسيس فوكوياما كما أن نظريات «صدام الحضارات» التي وضعها صامويل هنتنجتون قد وظفت بأبشع طريقة من أجل إضفاء الشرعية على النزعات الامبريالية للمحافظين الجدد وفرض النظام العالمي الجديد الذي يريده تيار المحافظين الجدد.

ردت إدارة بوش بكل قوة على الضربات في أفغانستان، وهو ما أعاد التذكير بالقوة العسكرية الأمريكية، ولم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية بذلك حيث إن الكثير من صناع السياسة المحيطين بجورج بوش الابن كانوا يعتبرون أن مع الوقت قد تنهي الولايات المتحدة الأمريكية حالة الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط عبر فرض الإصلاحات وإسقاط النظم السياسية الحاكمة بدعوى تكريس الديمقراطية وإزاحة الأنظمة الحاكمة التي تغذي ما أسمته إدارة بوش «الإسلام الراديكالي». 

في سنة 2002 طرحت إدارة جورج بوش وثيقة «استراتيجية الأمن القوي» وقد اتضح تأثرها الكبير بأطروحات المحافظين الجدد. ترمي تلك الاستراتيجية إلى الحفاظ على عالم أحادي القطب حتى تكون فيه الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الوحيدة التي تسود العالم. تم استبدال مفاهيم «الردع» و«الاحتواء» بمفهوم «الحرب الوقائية» ومفهوم «تعددية الأطراف» بمفهوم «الأحادية». لاشيء يعلو فوق الأمن القومي الأمريكي وكل شيء بات يبرر التدخل العسكري الأمريكي، حتى إن اقتضى ذلك التدخل خارج إطار المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، على غرار ما حدث إبان الغزو العسكري الأمريكي للعراق سنة 2003. 

2013 – 2019 .. نهاية الهيمنة الأمريكية؟

مع نهاية سنة 2010 أصبحت الهيمنة الأمريكية في العالم أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فقد نشرت القوات المتحدة الأمريكية 150 ألف جندي إبان الغزو العسكري في العراق الذي تحول إلى مستنقع «فيتنامي» جديد في الشرق الأوسط. في سنة 2008 تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لأزمة اقتصادية ومالية حادة تعرف باسم «أزمة الرهن العقاري» في نفس الوقت وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تواجه عودة روسيا وصعود القوة الاقتصادية الصينية على الساحة الدولية، وهو ما زاد من حجم التحديات أما سلطات واشنطن. 

في سنة 2008 انتخب مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وهو المنصب الذي شغله على مدى عهدين متتاليين، الأمر الذي مثل منعرجا آخر وفق تعبير بعض المحللين السياسيين والكتاب والأكاديميين. في يونيو 2009 ألقى الرئيس أوباما خطابا في جامعة القاهرة أمضى من خلالها على نهاية سياسة جورج بوش الابن في منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن ساكن البيت الأبيض الجديد أصبح يعتبر أنه يجب أن تظل الولايات المتحدة الأمريكية بمنأى قدر الإمكان عن النزاعات الإقليمية. 

سجلت الولايات المتحدة أيضا في عهد إدارة باراك أوباما عودتها إلى المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف وإلى مفهوم «القوة الناعمة». أطلق الرئيس أوباما مع وزيرة خارجيته استراتيجية «آسيا – المحيط الهادي» انطلاقا من أن مركز الثقل في العالم سيتنقل إلى دول آسيا المطلة على المحيط الهادي – وما على الدبلوماسية الأمريكية إلا أن تتصرف على هذا الأساس. ترمي هذه الاستراتيجية إلى تحقيق هدفين  اثنين: تقوية العلاقات الاقتصادية في منطقة تحقق معدلات نمو عالية، مع العمل إلى احتواء أي طموحات صينية للهيمنة على تلك المنطقة الحيوية، في ظل تنامي القوة العسكرية والاقتصادية الصينية. 

مع نهاية عهدة باراك، اتضح ضحالة إنجازاته على صعيد السياسة الخارجية. فقد اعتبر الكثيرون أن السياسة التي انتهجها أوباما هي التي خدمت مصلحة القوى الإقليمية الناشئة، التي تسعى لسد الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأمريكية بسبب استراتيجية إدارة أوباما. فالصين توشك اليوم أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم فيما عادت روسيا بقوة إلى الساحة الدولية، وهو ما يتجلى في منطقة الشرق الأوسط.

دبلوب

‭{‬ أستاذ مختص في التاريخ، نشر العديد من الكتب والمقالات والدراسات الأكاديمية.

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news