العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التنمية المستدامة.. مسؤولية من؟ الحكومة أم القطاع الخاص أم المجتمع؟ (6)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الاثنين ٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

لا ريب أن أصحاب المصلحة الذين سيستفيدون من التنمية المستدامة في الدول العربية مواطنين وقطاع خاص، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، يتطلعون ويناشدون ويطالبون الحكومة بذلك، وفي عصرنا الراهن لا يمكن للحكومات أن تصم آذانها عن أصوات المطالبين بالإصلاح والتنمية، كما لا يمكن أن تغمض عيونها عما يجري في العالم، ولم تعد المبررات التي كانت تسوقها الحكومات للتخلف مقبولة، كتلك التي ترمي تخلفها على الاستعمار ونظرية المؤامرة وغيرها، كما أن نقص الموارد في بعض الدول لم يعد مبررا مقبولا لتراجع مؤشرات التنمية أيضا. فماذا ينبغي أن تفعل حكوماتنا العربية في ظل هذا الواقع الشائك؟ وما الإصلاحات التنموية والبنيوية التي ينبغي أن تعتمدها للانطلاق نحو التنمية المستدامة بأدوات وأفكار عصر أواخر مراحل الثورة الصناعية الرابعة؟ بدءا لا بد من الإيمان بأن مسيرة الإصلاح ومجالاته متعددة ومتشعبة ومترابطة ومتنامية لا تقف عند حد معين، لذا من العدل إيفاء حق الشعب بالبحث عن مزيد من مجالات الإصلاح والتطلع إلى حياة أفضل وفقا لمتطلبات كل مرحلة، وما يمكن أن يليها، وليس التي تسبقها، بمعنى ضرورة الإيمان بديناميكية وحتمية الإصلاح وعلاقته بالزمن.

وإذ إن عالم اليوم عالمٌ سريع الإيقاع، تجري متغيراته بسرعة غير مألوفة من قبل، أصبحت المرحلة الزمنية في منظوره، متغيرا لحظيا، لا يحتمل امتداد السنين ولا يقبل التأجيل، وإن التغيير والإصلاح الذي يبدأ اليوم ويحتاج إلى سنوات حتى ينضج لن يكون كافيا ولا مقبولا بعد فترة وجيزة من الزمن، لا بل سيصبح ماضيا عفا عليه الزمن، وفي أحسن أحواله قاعدة لبناء ينبغي أن يتواصل ويحدث ويلاحق ويواكب إن لم يسبق الزمن. فنحن نعيش في عالم ديناميكي يتعرض لتغييرات مستمرة، أصبحت معه حتى القوانين والقواعد والأعراف التي عادة ما تكون معايير لمراحل طويلة نسبيا من الزمن، مؤشرات يعاد تحديثها وتنميط تطبيقها مواكبة لسيل التغيرات التي يشهدها المجتمع. وقد قادت الثورة العلمية التقنية والمعلوماتية المعاصرة إلى انتشار مفاهيم وأساليب وديناميكيات برهنت على أن الزمن متغير لحظي لا أكثر، كتلك المتصلة بآليات الحكومة الإلكترونية، وإنترنت الأشياء والاقتصاد الرقمي والبيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي وغيرها، وبما يقود إلى تنشيط الدورة الاقتصادية عبر تسهيل معاملات المؤسسات التجارية سواءً كانت مؤسسات محلية أم إقليمية أم عالمية، ويعمق الترابط والانفتاح بين الأسواق، ما يحفز الاستثمار ويجذب المستثمرين، وييسر للمواطنين اختيار البديل الأفضل سلعيا وخدميا، ويمكنهم من إنجاز مختلف المعاملات بدقة وجودة عالية وبزمن قياسي وكلفة مناسبة. ويمكنهم من القدرة على تقييم أنشطة وأداء الحكومات وفقا لأحدث المعايير والمؤشرات العالمية المعتمدة. 

وفي ظل تمكن التطورات التكنولوجية المتسارعة في المرحلة المتقدمة الراهنة من مراحل الثورة الصناعية الرابعة التي أسكتت صخب نظريات التنمية ومدارسها المتعددة وتفسيراتها المتقاطعة لم يعد اختيار النموذج التنموي الأنسب هو المعضلة التي تواجه دولنا العربية خاصة والدول النامية عامة، فإننا نعيش في ظل تلاقي وتلاقح وتكامل النظريات الاقتصادية، وإن اختلفت ببعض سياساتها وأولوياتها لكنها في الأخير تقود إلى بناء النظام الاقتصادي الأفضل ليس للجيل الحالي فحسب، بل للأجيال القادمة، ومع ذلك جاء منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الأخير وبيانه الصادر مطلع شهر ديسمبر 2019 الذي حمل عنوان أي نوع من الرأسمالية نريد what kind of capitalism do we want ليزود الحكومات بمرئيات نظرية هي نتاج التجارب التنموية المعاصرة، فقد اسـتعرض النماذج الرأسمالية الثلاث السـائدة في العالـم والمتمثلـة في نموذج «رأسمالية المساهمين» الذي تتبناه أغلب الشركات الصناعية في الغرب، وهدفه تحقيق أقصى الأرباح دون النظر إلى الأبعاد الاجتماعية إلا في حدود ضيقة جدا، والنموذج الثاني المتمثل بـ«رأسمالية الدولة» وهو النموذج السائد في الصين وعدد من الأسواق الناشئة، والذي تلعب فيه الحكومة دورا قياديا في تحديد اتجاه الاقتصاد، والنموذج الثالث «رأسمالية أصحاب المصلحة»، الذي تصاعدت له الدعوات في الوقت الحاضر، والذي يربط بين الشركات والبيئة والمجتمع، وينطلق من إدراك الشركات أن نجاحها في المدى الطويل مرتبط برضا عملائها وموظفيها ومورديها، وبالتالي فإن عليها أن تسهم بفاعلية في تحقيق متطلبات التنمية المستدامة إلى جنب الحكومات ومنظمات المجتمع المدني المختلفة، وهو يدعو إلى تبني هذا النموذج لاستدامة التنمية. وفي ذلك نص بيان دافوس «على أنه يتعين على الشركات دفع حصتها العادلة من الضرائب، وعدم التسامح مطلقا مع الفساد، ودعم حقوق الإنسان عبر سلاسل التوريد العالمية، والدعوة إلى المزيد من التنافسية لخدمة المجتمعات وتحسين حالة العالم الذي يعملون فيه». وحينما نحاول أن نعكس هذه الرؤى على واقع الحال في دولنا العربية، نجد أننا بحاجة ماسة إلى تعميم ومزاوجة واعتماد أفضل الممارسات المعتمدة في العالم، آخذين بنظر الاعتبار مجمل الظروف والبيئة المحلية والإقليمية والدولية، على ألا يكون ذلك مدعاة لمزيد من التخلف والتسويف والمماطلة في إنفاذ أفضل السياسات التنموية، بغية تشكيل ملامح استراتيجية حكومية أفضل والعمل على تنفيذها بما يمنح الوزارات والهيئات والإدارات العامة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني المزيد من المرونة والفاعلية، ويتيح خلق فرص ومزايا تنافسية وتحويلها إلى ممارسات ومبادرات تستجيب وتستوعب عمليات التغيير الديناميكي السريع التي لم يعد أحد بعيدا عنها، وتعزيز مبدأ الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني على كل المستويات بما فيها اتخاذ القرار الاقتصادي وسن التشريعات والنظم ذات الصلة بالتنمية المستدامة وبما يعزز الاستقرار ويدعم الأمن الاقتصادي والفكري والمجتمعي ويضع البلاد العربية على خريطة العالم المتحضر المتوثب دائما إلى الأمام الذي نحن أحوج ما نكون إليه الآن وليس غدا، فهل تدرك جميع الحكومات العربية ذلك أم أنها في واد والعالم في واد آخر؟

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news