العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

الجدل في قمة حلف الأطلسي «الناتو»

بقلم: هاني عوكل

الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

لأول مرة يدرج قادة حلف شمال الأطلسي «الناتو» الذين اجتمعوا في قمة خارج لندن بمناسبة مرور 70 عاما على تأسيس الحلف الأطلسي، الصين باعتبارها قوة صاعدة تفرض تحديات على دول الحلف، وهي قوة ليست مرتبطة بالعضلات فحسب بقدر ما أنها قوة اقتصادية وتجارية مدعومة بنفوذ دولي.

قبل هذه القمة التي انعقدت حديثا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعبر عن استيائه من قلة الدعم الأوروبي لحلف الناتو، وطالب في أكثر من مناسبة الدول الأوروبية المنضوية تحت مظلة الحلف بزيادة نسبة مساهماتها في ميزانيته، وكثيرا ما ردد عبارة أن على الدول الأوروبية دفع ثمن الحماية الأمريكية.

ترامب جاء إلى القمة بعقلية التاجر الذي يريد تخفيض نفقات واشنطن على الحلف، مقابل زيادة إنفاق أوروبا وتحديدا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا عليه، وكذلك دفع باقي الدول الأوروبية إلى الإنفاق بنسبة 2% من مجمل دخلها القومي على الدفاع، وهي نسبة لم تصل إليها دول كثيرة.

ليست مشكلة تمويل «الناتو» وزيادة النفقات عليه هي ما يقلق الزعماء الأوروبيين، إذ ثمة شعور من بعضهم أن واشنطن تمارس سياسة فوقية متعالية عليهم، وأن مصالحها لا تتقاطع مع مصالحهم، ولذلك كان واضحا حجم الخلافات التي برزت في القمة الأخيرة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا كثيرا إلى ضرورة تقوية «الناتو» وإصلاحه وتطرق إلى ممكنات السلام الدائم في أوروبا وتحديد العدو من الصديق، وقبل انعقاد القمة تحدث عن الموت السريري الذي يعيشه الحلف، الأمر الذي أثار حفيظة ترامب وبعض قادة أوروبا.

ثمة دوافع لماكرون لأن يقول مثل هذه التصريحات التي فتحت نقاشًا صاخبا في قمة الناتو، إذ من المحتمل أن فرنسا تتطلع إلى دور مهم في «الناتو»، وكذلك يعتقد ماكرون أن المصالح الخاصة للدول تطغى على المصلحة العامة للحلف الذي أنشئ في الأساس لصد الشيوعية السوفيتية التي ولّت منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.

الرئيس الفرنسي يطمح إلى زعامة الاتحاد الأوروبي لكنه لا يمكن أن يتزعم حلف الناتو، بينما تقدم بلاده للحلف مخصصا ماليا محدودا من مجموع نفقاته، في الوقت الذي تدفع فيه الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 22% لتأمين احتياجات «الناتو».

هو يبحث عن دور قيادي في الحلف بعد ترامب وقبل ألمانيا وبريطانيا، وفي ذات الوقت يختلف معه في جملة من القضايا مثل الموقف من الصين وروسيا وفي الشرق الأوسط على سبيل المثال الموقف من أكراد سورية، حيث يعتبر ماكرون أن واشنطن قصرت في دعمهم وحمايتهم.

وفتح نقاش واسع في هذا الموضوع لكنه كان بين فرنسا ماكرون وتركيا أردوغان، حيث تعترض باريس على العملية العسكرية التي شنتها أنقرة ضد أكراد سورية قبل شهرين من الآن، وتتهم تركيا بأنها تدعم جماعات إرهابية في سورية، ومثل هذه المواقف تعتبر مؤشرا لحجم الخلاف بين دول الاتحاد.

«الناتو» الذي توسع في جغرافيته وعدد الدول المنضمة إليه بات قريبا جدا من روسيا بحدود تصل إلى 1600 كيلومتر، وحينما اندلعت الأزمة بين أوكرانيا وروسيا قبل عدة أعوام، تصاعد الجدل الأوروبي بشأن معاقبة موسكو اقتصاديا والتعبئة والاستنفار ضدها.

غير أن النغمة الأوروبية لانت مع الوقت، وبات يفضل أعضاء «الناتو» فتح قنوات للتواصل مع روسيا، ربما من بين أسبابها إعادة النظر في مبدأ الربح والخسارة من القطيعة التامة لجار أوروبي قوي ملاصق لحدود الحلف الأطلسي، ورغبة في عدم الانجرار وراء عداوة مكلفة تفتح الباب أمام سباق للتسلح.

بطبيعة الحال ثمة سباق للتسلح في العالم وليس مع روسيا فقط، وهذا ربما ما دفع واشنطن إلى وضع الصين في قائمة الدول التي تشكل تحديا حقيقيا للولايات المتحدة وأوروبا، وتدفع الأولى باتجاه معاقبة بكين تجاريا واقتصاديا وفرملة نموها الذي يحقق معدلات عالية كل عام.

أغلب الظن أن دول الاتحاد الأوروبي بكبارها الثلاثة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لم تعد تحلم بالتسيد على العالم كما كانت من قبل، ربما لإدراكها حجمها الطبيعي أمام أحجام مثل روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تنقصها المساحة الجغرافية وكذلك البعد الديمغرافي، والأهم أنها مشمولة بالحماية الأمريكية وهذا يعني أنها تابعة لها. وبعضها –فرنسا وألمانيا- يطالب باتحاد أوروبي قوي وموحد وكذلك «ناتو» فاعل ومتين يحقق مصالحها أولا قبل مصلحة الحليف الرئيسي واشنطن.

ثم إن أوروبا تحتاج إلى «الناتو» كما هي حاجتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصرف النظر عن الخلافات الحالية حول مبدأ الصديق والعدو، ومن ثم من الصعب الحديث عن انفراط عقد هذا الحلف، لأنه يدرك أن تحديات هائلة تواجهه وسط عالم يبحث فيه الكبار أمثال روسيا عن دور لتغيير شكل النظام الدولي.

الخلاف داخل «الناتو» أشبه بزوبعة في فنجان، إذ إن المسألة تبادل الخلافات لا أكثر، بدليل أن قادة الحلف اتفقوا على زيادة الإنفاق السنوي على «الناتو» وفق حصص معينة، وبالرغم من اعتراضهم على سلوك تركيا عموما، وبالأخص دورها في سورية، فإنهم يدركون أهميتها في الحلف وموقعها العسكري فيه.

كل ما يجري في حلف «الناتو» هو محاولة لترتيب الأولويات بين أوروبا التي تعتقد أن أي حرب باردة مع روسيا أو الصين ليست معركتها الأساسية، وبين الولايات المتحدة التي توظف أوروبا و«الناتو» في مسألة بقائها متفوقة وصاحبة النظام الأحادي القطب في العالم.

‭{‬ كاتب من فلسطين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news