العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

الأمة الإسلامية.. وصف حالة!!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

مرت الأمة الإسلامية قبل أن تكون أمة بحالتين من الضعف إلى القوة، ومن القوة إلى الضعف، الحالة الأولى: كانت في بداية الدعوة الإسلامية، في فجرها الصادق حين كان المسلمون قلة في العدد، وندرة في العدة، لهذا بدأت الدعوة على مدى ثلاثة عشر عاما من دون مواجهة مع كفار قريش رغم ما أنزلوه بالقلة المؤمنة من عذاب، وكان الصحابة (رضوان الله تعالى عنهم) يأتون إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو نائم عند الكعبة يسألونه أن يستنصر الله تعالى لهم، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يدعوهم إلى الصبر، ويقول لهم: إن من كان قبلكم قد واجهوا أشد مما واجهتم، كان يؤتى بالرجل، فيوضع المنشار على رأسه فيشقونه إلى نصفين لا يرده عن دينه شيء، والله تعالى لم يأذن لي بعد، وهو هنا -صلوات ربي وسلامه عليه- يشير إلى أنه يتحرك وفق أوامر الله تعالى ونواهيه، وأنه لا يخطو خطوة، ولا يعزم أمراً حتى يأذن له الله تعالى بذلك.

السنوات الثلاث الأولى من عمر الدعوة في مكة كانت الدعوة فيها سرية حتى استجاب الله تعالى لدعاء رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعز الإسلام بإسلام أحد العمرين: عمرو بن هشام (أبوجهل) أو عمر بن الخطاب، فاستجاب الله تعالى له، وهدى أحب العمرين إلى قلبه، وهو عمر بن الخطاب (رضوان الله تعالى عليه) الذي بدأ إسلامه بدعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى أن يجهر بالدعوة، ولما سمع الكفار أصوات المسلمين وهم يكبرون علموا أن عمر بن الخطاب قد أسلم، وأن المسلمين يمرون بمرحلة جديدة كانوا فيها ضعفاء، فصاروا على شيء من القوة بإسلام عمر بن الخطاب ومن قبله حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

في حالة الضعف التي كان المسلمون عليها في فجر الدعوة بدأ المسلمون الهجرة إلى الحبشة أولاً، ثم إلى المدينة فراراً بدينهم، وبحثاً عن أرض خصبة يبذرون فيها بذور الدعوة الجديدة لتنبت شجرة مباركة أصلها ثابت وفروعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن مولاها سبحانه وتعالى.

وتكررت الهجرة إلى المدينة في سعي حثيث لإصلاح الأرض للإنبات، ولما تهيأت البيئة لذلك هاجر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه أبوبكر (رضي الله عنه) بعد ان سبقه العديد من المسلمين الذين تكونت منهم أول دولة للإسلام، وبدأت معالم القوة والمنعة تتجسد مع بزوغ شمس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، وبدأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عمله المبرور بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وحدد أطر العلاقات بين المسلمين ومن يعيش معهم من اليهود، والنصارى، وأصحاب الملل الأخرى، وقام الرسول (صلى الله عليه وسلم) بكتابة صحيفة المدينة التي كانت بمثابة أول دستور لدولة الإسلام، أقر فيه مبدأ حق المواطنة لجميع من يعيش في دولة الإسلام، ثم بدأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) يمارس مهام أول حاكم لأول دولة إسلامية بأن أخذ يراسل الملوك، والأكاسرة، والقياصرة، ويبعث إليهم البعوث ليبلغوهم الدعوة الجديدة، ومن أبى منهم طلب منهم أن يخلوا بينه وبين شعوبهم، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة للعالمين، ومن رحمته بهم صلى الله عليه وسلم أن ينقذهم من الضلالة إلى الهدى، ومن الظلام إلى النور، ومن النار إلى الجنة، هذه هي رسالة الإسلام، وهذا هو دور الأمة الإسلامية بين الأمم تبين لهم محاسن الإسلام، وفضله على الدعوات الأخرى، فأسلم منهم من أسلم، وأبى منهم من أبى، وهؤلاء من سالم المسلمين فلهم السلم، ومن حارب المسلمين، وحال دون إبلاغهم دعوة الاسلام نابذهم المسلمون من أجل أن يفسحوا للدعوة الإسلامية الطريق إلى قلوب الناس، أما من رضي بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا، فهؤلاء لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، ومن آثر البقاء على دينه قبل المسلمون منهم الجزية، وهي قدر زهيد من المال من القادرين عليه، وهي ضريبة الدم حيث يعفى من يدفعها من القتال مع المسلمين في حروبهم مع أعدائهم، وعلى المسلمين أن يدافعوا عنهم، ويوفروا لهم الحماية، والأمن والأمان ليمارسوا عباداتهم بحرية كاملة وفق شرائعهم، ولقد ضمن لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك.

وأخذت أعداد المسلمين تتضاعف، وهيبتهم بين الناس يعمل لها ألف حساب، وكان أعظم عصور الإسلام هو عصر الرسالة، وعصر الخلافة الراشدة التي جسدت تعاليم الإسلام العادلة الرحيمة، وعاش الناس في أمن وأمان، وتأكدت معاني المواطنة لجميع من يعيش في المدينة في ظل دولة الرسالة والخلافة الراشدة.

وبعد مرور ما يزيد على الألف عام بدأ الضعف يدب في أوصال دولة الإسلام حين بدأ عصر الدويلات، حين استعان حكام هذه الدويلات بالفرنجة على إخوانهم المسلمين من أجل دوام السلطة في أيديهم، واستغل الفرنجة هذا الضعف ليبسطوا سلطانهم ونفوذهم على هذه الدويلات التي كانت في الظاهر مستقلة، ولكنهم في الحقيقة كانوا تابعين لحلفائهم من الفرنجة، الذين ظاهروهم على إخوة لهم في العقيدة والدم.

من هنا بدأت حالة الضعف من بعد القوة، وصار المسلمون عالة على غيرهم في مأكلهم، ومشربهم، ومراكبهم، بل وحتى في صناعة الأسلحة التي يحاربون بها أعداءهم، وضعفت المعاهد والجامعات العلمية، وهجرها الطلبة، وتوجهوا إلى الأمم الأخرى يطلبون العلم في جامعاتها ومعاهدها العلمية، وغادرها العلماء الأفذاذ الذين كان يشار إليهم بالبنان، والذين تربى الغرب على إبداعاتهم، بل ظلت كتبهم هي من مصادر العلم والمعرفة قرونا طويلة من أمثال: ابن الهيثم، وابن سينا، والفارابي، والزهراوي، والبيروني، وابن رشد، وغيرهم من نوابغ الحضارة الإسلامية الذين علا صيتهم بين علماء الأمم الأخرى، ولو ظهر هؤلاء في عصر جوائز نوبل لحازوا أغلبها.

ولم يكن ما حدث لأمة الإسلام من ضعف بعد قوة، ومن ذلة بعد عزة أمراً طارئاً، بل حدثنا رسول الله (صلى الله عليه. سلم) عنه في حديثه حينما قال في تشخيص دقيق لحالة الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذٍ؟ قال: لا، لكنكم غثاء كغثاء السيل، ويجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا، وكراهيتكم الموت» الألباني/صحيح الجامع/الحديث صحيح.

القلب وما أدراك ما القلب؟ إن مدار صلاح الأمة وفسادها عليه، وهذا ما ذكره النعمان بن بشير (رضي الله عنه) في حديثه الذي رواه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله: ألا وهي القلب» متفق فيه.

القلب هو جوهر الإنسان، وهو لبه، فمن أهمل العناية به، واهتم بقالبه دون قلبه، فقد جعل الطريق سهلاً ميسراً لهمزات الشياطين، ووسوسة النفس الأمَّارة بالسوء، فإذا أرادت الأمة النهوض من كبوتها، والعودة إلى سابق مجدها وعزها، فعليها أن تولي قلبها كل عناية ورعاية، وأن تحذر أشد الحذر من أن تتسلل إلى قلبها الأمراض والأوبئة التي حذرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منها مثل: الشرك والرياء والنفاق، هذه الأمراض الفتاكة التي إن أصابت قلب الأمة غابت شمسها، وأفلت نجومها، وذهبت ريحها، وأصبحت لقمة سائغة لأعدائها، الطامعين فيما بين أيديها من خيرات وكنوز اختصها الله تعالى بها لتستعين بها على حسن الخلافة في الأرض، والقيام بمهمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتوثيق صلتها بالله تعالى الذي تستمد منه الهداية والعون، وأن تستقيم على سنة رسولها صلى الله عليه وسلم.

وبعد، فقد أغنانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين شَخَّصَ لنا حالة الأمة التي ستؤول إليها إن هي لم تتبع صراط ربها المستقيم، وتشخيص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي يستمد علمه وهداه من الله تعالى، هو تشخيص من لا ينطق عن الهوى إذ هو وحي يوحى، وبالتالي فلم يبق إلا أن نبادر إلى تناول الدواء الناجع الذي أشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين تحدث عن أسباب الوهن في الأمة من حب الدنيا كغاية، وكراهية الموت في سبيل الله تعالى.

بهذا تشفى الأمة من أسقامها، وتعود أمة قوية رائدة كسابق عهدها، تسهم في صنع الحضارة الإنسانية، وتمدها بأسباب القوة والخلود، وكل ذلك بوحي من كتاب ربها، وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news