العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

بلاد البوسنة والهرسك عبر التاريخ (2-2)

بقلم: يوسف صلاح الدين

الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

تقع جمهورية البوسنة والهرسك في غرب البلقان ويقع الجزء الأكبر من البوسنة في الأجزاء الشمالية والوسطى من البلاد وتقع الهرسك في الجنوب والجنوب الغربي, وقد تنافست القوى الإقليمية للسيطرة على البلاد التي كانت وما زالت ملتقى تجاريا وحضاريا منذ القدم لمختلف الأعراق والجنسيات بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي والذي أدى إلى دخولها في صراعات بين دول المنطقة لأنها تمثل حدا جغرافيا وثقافيا ودينيا بين الشرق والغرب أو فاصلا بين الإسلام وأوروبا أو فاصلا بين المسيحية الأرثوذكسية والمسيحية الكاثوليكية.

اعتبر البعض عمدا سكان البوسنة والهرسك من البوشناق المسلمين أنهم من ميراث عثماني والصواب أنهم سكانها الأصليين ودخلوا الإسلام برغبتهم ويعتزون ويفخرون بأنهم أوروبيون مسلمون وتعود جذورهم إلى البوشناق السلافينيين الذين عرفوا الإسلام قبل وصول العثمانيين فقد بدأت علاقاتهم مع الإسلام أثناء معركة اليرموك «15 هـ/ 636 م» في عهد الخليفة الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقد كانت بعض الفرق العسكرية الرومانية «البيزنطية» مكونة منهم وقد أسلم بعضهم, وكما أسهم التبادل التجاري البري والبحري خلال عهد الدولة الأموية الأولى في الشام والعباسية في العراق والأموية الثانية في الأندلس في نشر الدين الإسلامي قبل وصول العثمانيين لها في عام 1463 في عهد السلطان مراد الأول والملقب «بالسلطان الشهيد» مما أسهم في دخولهم الإسلام لوجود معاهدة مع ملكهم إلى أن تولى السلطان محمد الفاتح الحكم فقام ملك البوسنة في ذلك الوقت بنقض المعاهدة فأرسل السلطان العثماني جيشا تمكن من هزيمته ما أسهم في دخول البوسنة بأكملها في الإسلام فيما تأخر فتح الهرسك مدة 20عاما.

تاريخ البوشناق قديم ومشوق فبحسب التاريخ المدون ان سكان منطقة البلقان كانوا من قبائل «إليريه» وبحلول القرن السابع الميلادي تعرضوا لغزو من قبائل «سقلبية» ومنهم السلافيون الروس الذين اتجهوا إلى روسيا والأوكرانيون اتجهوا إلى أوكرانيا والبولنديون اتجهوا إلى بولندا والتشيكيون اتجهوا إلى تشيكوسلوفاكيا والسلوفيون اتجهوا إلى سلوفانيا والصرب توجهوا إلى صربيا والكروات إلى كرواتيا والبشناق الذين كونوا البوسنة والهرسك ولكن مع قدوم القرن التاسع الميلادي تم تنصير القبائل السلافية ما أدى إلى قيام دولة الصرب الأرثوذكس في الجنوب ودولة الكروات الكاثوليك في الشمال وظلت بلاد البشناق منطقة نزاع تتعرض لضغوط من الدولتين وزاد من حدته تكوين البشناق دولتهم الأولى في عام 1137 القائمة على المذهب البوغوميلي وهي طائفة غنوصية مسيحية فزادت الضغوطات عليهم من البابا ومن ملوك المجر وأصبح البشناق يتعرضون لجرائم كبرى أدت بحياة الكثيرين ولكن بعد دخول الإسلام إلى صربيا شعر البوغوميليون بعدل الإسلام وقوة الدولة العثمانية آنذاك فدخل العديد منهم ومن السلاف المسيحيين في الإسلام والتحق ثلاثون ألفا منهم بالجيش العثماني وظلوا حوالي أربعة قرون كولاية عثمانية ولكن وقوع سلسلة من الأحداث أدى إلى خروج العثمانيين من المنطقة, ففي عام 1877 أعلنت روسيا القيصرية الحرب على العثمانيين انتقاما لهزيمة أتباعها من الصرب والجبل الأسود وتمكنت من تحقيق النصر وانتزاع مكاسب كثيرة بحسب معاهدة «سان ستيفانو» التي عارضتها الإمبراطورية النمساوية والمجرية بسبب تغير موازين القوى لمصلحة روسيا في البلقان فتم عقد مؤتمر ثان في برلين لتصبح البوسنة والهرسك من نصيب النمسا بمنحها الإدارة المؤقتة للبوسنة والهرسك وأصبحت تحت الحكم النمساوي المباشر في عام 1908 وتم اقتطاع مقدونيا من بلغاريا للعثمانيين وحصلت صربيا والجبل الأسود على استقلالهما ما أدى إلى تقليص علاقة البوشناق المسلمين الدينية والسياسية مع العثمانيين وقام الإمبراطور النمساوي بتعيين الشيخ مصطفى حلمي حاجي عمرو فيتش كأول رئيس للعلماء وأربعة قضاة كأعضاء في مجلس العلماء.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أصبحت البوسنة والهرسك تعرف بمملكة الصرب والكروات وسلوفينيا ثم أعيدت تسميتها بمملكة يوغوسلافيا. 

أيد غالبية المسلمين حزب منظمة المسلمين اليوغسلاف الذي أسسه الدكتور محمد سباهو في سراييفو في فبراير 1919 وحاول المحافظة على هوية البوسنة كدولة مستقلة ضمن الدولة اليوغسلافية وعندما أجريت انتخابات في نوفمبر من عام 1920 فاز حزبه بأغلبية أصوات المسلمين وشغل 24 مقعدا في الجمعية التشريعية الوطنية ولكن استمرار النزاع السياسي بين الصرب والكروات لسنوات عديدة أدى إلى توصل كل من الوزير الصربي تسفيتكوفيتش والزعيم الكرواتي ماتشيك إلى اتفاق في عام 1939 بتقسيم البوسنة والهرسك وإجبار سكانها على الانضمام إلى صربيا أو كرواتيا.

توفي سباهو في عام 1939 أثناء أدق مراحل المفاوضات ودعا خلفه جعفر كولينوفيتش إلى إنشاء دولة خاصة باسم البوسنة والهرسك وتم تجاهل طلبه وفى أثناء الحرب العالمية الثانية قامت القوات الألمانية في 1 ابريل 1941 بغزو يوغوسلافيا وبعد نهاية الحرب استولى الشيوعيون على السلطة في عام 1945. وحسب المعلومات فإن 75 ألف مسلم بوسني توفوا في الحرب العالمية الثانية وهي نسبة تعادل 8.1% من مجموع سكانها المسلمين وتعامل الشيوعيون بقسوة شديدة مع كل من لم يقبل بحكمهم. ويقدر المؤرخ نويل مالكولم أن حوالي 250 ألف شخص قد قضوا في الإعدامات الجماعية التي قام بها تيتو وفي مسيرات الموت ومعسكرات الاعتقال في الفترة ما بين عامي 1945 و1946 وأغلقت المحاكم الشرعية وفي عام 1950 أغلقت آخر الكتاتيب التي كان التلاميذ يتعلمون فيها معلومات أساسية عن القرآن الكريم وحل جميع الجمعيات الإسلامية الثقافية والتربوية ولم يتم الإبقاء إلا على الجمعية الدينية الإسلامية الرسمية ومدرستين إسلاميتين تخضعان لرقابة مشددة وأغلقت المطبعة الإسلامية في سراييفو وتولت الدولة إدارة الهيئة المشرفة على الأوقاف. ورغم كل ذلك فإن الهوية المسلمة في البوسنة لم تختفي فقد أعطى إحصاء السكان في عام 1948 للمسلمين ثلاثة خيارات: إما أن يكتبوا بأنهم مسلمون صرب أو مسلمون كروات أو مسلمون دون قومية معلنة وكانت النتائج 72 ألف أعلنوا أنهم صرب و25 ألفا أنهم كروات و778 ألفا أنهم مسلمون فقط وأظهر إحصاء السكان لعام 1953 نتائج مماثلة. ويقدر عدد سكان البوسنة والهرسك حاليا بثلاثة ملايين وستمائة ألف نسمة.

ما زالت آثار الحرب واضحة على بعض المباني ومازال الناس يذكرون مرور 24 عاما على مذبحة سربرينتسا المأساوية التي قتل فيها حوالي 8000 مسلم ومرور 25 عاما على حصار سراييفو الذي استمر أربع سنوات وحرق مكتبة سراييفو المشهورة ولكن في المقابل هناك الأمن والاستقرار والابتسامة وتحاول جميع العرقيات العمل مع بعضها البعض لبناء جمهوريتهم التي تقوم على التسامح والعدل وخلق فرص العمل.

 yousufsalahuddin@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news