العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

مقالات

وقفــــة تقـــديـــر فــي عيـــدهــــا: المرأة البحرينية بين حقوق «مستكملة» وواجبات «مستحقة»

بقلم: هالة م.الأنصاري

الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

يقال إن كلمة «مُوَاطنة» لا جذر لها في اللغة العربية وإنها مشتقة من كلمة «وطن»، حيث جاء في لسان العرب لابن منظور أن الوطن «هو المنزل الذي تقيم به، وهو موطن الانسان ومحله، ووطن بالمكان ووطن أقام». وتشير العديد من المراجع إلى أن مفهوم «المواطنة» في سياقاته واستعمالاته الحديثة يعود إلى الاصلاحي المصري رفاعة الطهطاوي، الذي أدخلها في كتبه وأوجد لها نصوصا تفسيرية صريحة تربط الوطنية باستكمال الحقوق الواجبة للمواطن الذي «عليه أن يؤدي الحقوق التي عليه للوطن، فإذا لم يوف أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها».

وتعرّف المواطنة في مجتمعاتنا الحديثة اليوم بأنها «العضوية الكاملة لجميع المواطنين في المجتمع، يتساوون فيها في الحقوق والواجبات من دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو العقيدة أو الرأي أو الفكر أو المستوى الاقتصادي»، فهي القاسم المشترك الذي يجمع أفراد الشعب الواحد تحت سقف الوطن على أسس الاحترام المتبادل والتعامل المتسامح رغم الاختلاف والتنوع. 

وتبقى بحسب العديد من الدراسات والأطروحات قضية تمتع المرأة في العديد من الدول بمواطنيتها الكاملة محل شد وجذب بحكم تأخر حصولها على حقوقها المدنية وبما يعطل من مشاركتها في تنمية أوطانها. 

ورجوعا إلى مجتمعنا البحريني، فقد استطاع من خلال تركيبته الحضارية وتفاعلاته الثقافية وتأسيسه المدني أو حتى من خلال شعور ومواقف أفراده في كل المحطات الوطنية المصيرية، أن يرسخ «مواطنته» كواقع معاش وأسلوب حياة، ليكسب عبر هذا التطور كل قضايا الوطن، ومشكلاً بذلك الهوية البحرينية العريقة بقيمها، والمتحضرة بعطائها الانساني. 

ولم تكن المرأة البحرينية بعيدة عن ذلك الشأن الوطني بكل تفاعلاته التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من موقع متقدم من الممارسة المدنية، وصارت المرأة فيه مواطنا كامل الأهلية لها ما لها من حقوق، وعليها ما عليها من واجبات. ولم يكن للمرأة أن تكتمل ملامح شخصيتها الوطنية لولا توافر كل العناصر الضرورية «لبناء مجتمع متمدن» على مر تاريخنا الحديث، وصولا إلى المرحلة المعاصرة من العمل الوطني التي استوعبت متطلبات التطوير الحضاري بإشراكٍ كامل للمرأة البحرينية، والتي يعود الفضل فيها، من بعد الله، لتلك الحنكة والحكمة السياسية لعاهل البلاد المفدى، التي تجسدت في اصلاح وطني شامل كانت «حصيلته الأولى» استكمال وتأمين كل الحقوق الدستورية للمواطنين، رجالاً ونساء، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الوطني، اتخذت من شعار «الإصلاح والتحديث» عنوانا لها. 

ومن هذا التقديم، وفي خضم احتفالاتنا الوطنية المجيدة بمناسباتها المئوية الدالة على عمق وعراقة الدولة البحرينية، ومرور ثمانية عشر عاما على تأسيس المجلس الأعلى للمرأة برؤية ترتكز على أهلية المرأة البحرينية الكاملة في البناء الوطني، قد يتبادر للذهن بعض التساؤلات التي تستحق أن نتوقف عندها: هل تسير المرأة بثبات في اتجاه تلك البوصلة الوطنية؟ وهل أصبح دور المرأة البحرينية مكتملاً في ظل ما تحقق لها اليوم من نهضة حقوقية وتنموية غير مسبوقة، لتبادر بأداء واجباتها الوطنية كاملة، محققة بذلك «شرط الحفاظ على الحقوق المدنية» وحماية قيم المواطنة والانتماء إلى الوطن؟ وهي قيم لا بد من استحضارها على الدوام في الوعي الوطني وتجسيدها كواقع و«ممارسة يومية» لتشكيل «خطوط دفاعية مدنية» للهوية الوطنية البحرينية.

وللإجابة عن تلك التساؤلات قد يكون من المفيد أن نذكّر أنفسنا ببعض الحقائق التي تؤكد اكتمال كل أركان المواطنة الحقيقية للمرأة باعتبارها شريكا مكافئا للرجل، وبما يؤهلها من دون أدنى شك، أو تراجع، من أداء مسؤولياتها بلياقة وطنية عالية. ونوجز تلك الحقائق فيما يأتي:

1) إقرار الدستور البحريني حق المرأة في ممارسة كل حقوقها الإنسانية، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثـقافية والاقـتصادية، من دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية.

2) مشاركة المرأة البحرينية في وضع ميثاق العمل الوطني وتفعيل نصوصه، وجاء ذلك التكليف بمثابة الموقف الحاسم والرسالة الصريحة من قبل رأس الدولة لضرورة «استئناف» المرأة دورها الكامل في إدارة الشأن الوطني، وبما يرسخ في الأذهان تساوي مركزها الدستوري مع الرجل نصا وممارسة. 

3) البدايات التعليمية المبكرة للمرأة البحرينية وما تبع ذلك من حراك متسارع لها كمزاولتها العديد من المهن التي تطورت مع تطور المجتمع، وانخراطها في مجالات العمل الأهلي وتأسيسها الجمعيات النسائية بمساهماتها التنموية والخيرية والثقافية، وما تبع ذلك التفاعل من إسهامات مؤثرة في النهضة الوطنية الشاملة، وصولاً إلى تأسيس المجلس الأعلى للمرأة برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، لتبدأ بهذا التنظيم مرحلة متقدمة امتازت بتحويل العمل النسائي إلى عمل مؤسسي تنموي، أساسه الشراكة الكاملة والمتكافئة للمرأة مع الرجل في البناء الوطني. 

4) التدرج في إدارة سياسات تمكين المرأة من خلال خطة وطنية نمت توجهاتها بنمو الخبرة المؤسسية لتشمل كل مؤسسات وقطاعات المجتمع، فغدت مسؤولية استدامة تقدم المرأة مسؤولية وطنية مشتركة. ويلاحظ المتتبع لذلك الحراك الاستراتيجي الوطني المنظم بروز العديد من الشواهد المادية التي تؤكد ارتفاع مستويات الثقة في المرأة لدى توليها مسؤولياتها الكاملة في الحياة العامة وميادين الانتاج، سواء بارتفاع نسب مشاركتها في مواقع صنع القرار وحلولها رئيسة للغرفة التشريعية المنتخبة، وبشغرها المناصب التنفيذية والإشرافية في القطاع العام بنسبة تفوق الـ42%، وبإقبالها المتزايد على وظائف السلك القضائي والدبلوماسي ومجال حفظ الأمن العام والقوات الدفاعية، وبانخراطها في سوق العمل الحر، حيث تشير الأرقام إلى تنامي ثرواتها بحسب سجلات البورصة، وازدياد رخص مزاولتها التجارية. 

5) النضج في تنظيم الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال صدور العديد من التشريعات والقرارات النوعية التي تضمن وتسهل للمرأة ممارسة تلك الحقوق، وتحفظ مركزها القانوني، ومن بين أهمها صدور قانون الأسرة، وقانون الحماية من العنف الاسري، وغيرها من القوانين والقرارات التي جاءت بمعالجات إيجابية لصالح المرأة البحرينية، وثبّتت شأنها الأسري وحقوقها الاجتماعية، وارتقت بمشاركتها الاقتصادية وحافظت على استقرارها الوظيفي.

6) المقدرة الرفيعة التي تبديها المرأة البحرينية، من خلال ممارستها عديدا من الأدوار الوطنية، في خلق حالة من التوازن والتضامن المجتمعي الذي نجح في تحجيم الهويات الفرعية وتحييد التأثيرات الخارجية، ومن ثمَّ الانتصار على كل الانتماءات الفرعية. 

فإذن، من الممكن أن نستخلص من هذا الطرح الموجز أن المرأة البحرينية أصبحت تمارس دورا متقدما في حفظ المصلحة العامة للمواطنين وتمكين أفراد المجتمع، لتطوي بذلك صفحة استكمال الحقوق وتبدأ صفحة جديدة لمواصلة إيفاء «حق الوطن» عليها. وهي بتوليها مثل هذا الدور بوعي وطني حاضر تكون قد استكملت تحقيق المتطلبات الأساسية «للمواطنة الحقة والمسؤولة»، وهذه خصوصية بحرينية تنفرد بها نساء بلادنا بحكم ما بادرت به مراكز الثقل السياسي والاجتماعي والثقافي من قبول وتشجيع للمرأة البحرينية، والتي أثمر تطورها التاريخي المتدرج اكسابها وعيا مسؤولا وقدرة متجددة على إحياء مفهوم المواطنة الشاملة، التي تبدأ ببساطة من احترام الأنظمة والقوانين، والمحافظة على الحق العام، وصولاً إلى المشاركة في صنع القرار السياسي. 

ومع تطلعنا إلى المستقبل، وفي ظل الخطوات الواثقة التي تخطوها الدولة البحرينية، بمؤسساتها وتنظيماتها وسياساتها، نحو التجديد الحضاري، القائم على عدالة إتاحة الفرص بين شريكي التنمية، الرجل والمرأة، نجد أنه من الضرورة بمكان أن تتطور، مع تطورنا المعرفي، قدرتنا على إيجاد التوازن الطبيعي بين «حق الفرد على الوطن» و«حق الوطن على الفرد». وهذا، في رأينا المتواضع، يتطلب أن نستمر في تحديث برامجنا التنموية، لتزويدها بالعناصر الضرورية التي ترسخ الحقوق وترفع الوعي بما يقابلها من واجبات وطنية، الأمر الذي يستدعي أن تتوافر لدينا الإمكانيات العلمية والقدرات التحليلية التي ستحدد مدى نجاحنا جميعا في بناء وعي حضاري متجدد، نرسخ فيه نهج الحاضر والمستقبل للمواطنة «المسؤولة»، حيث يقابل كل حق واجب وطني في دولة المؤسسات والقانون.

 

 ‭}‬ الأمين العام للمجلس الأعلى للمرأة.

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news