العدد : ١٥٤٨٠ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٠ - الاثنين ١٠ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اجعلوا المنزل بيتا

أقف لليوم الثالث على التوالي عند موضوع «البيوت»، بمعنى أماكن السكن التي تضم كل عائلة، والتي يفترض أن تكون ملاذا آمنا للزوجين والعيال، والأمان المنشود هو ليس فقط توفُّر الطعام والشراب والملبس والكساء والدواء، بل الأمان النفسي الذي يأتي من العيش في بيئة خالية من العنف اللفظي والجسدي.

مَثل أمام القضاء في العاصمة الايطالية روما مؤخرا زوجان بتهمة إلحاق الأذى الجسيم بولدهما الوحيد، والبالغ من العمر 12 سنة، وقد أنذرهما القاضي بأنه في حال ثبوت التهمة عليهما فسيقضيان خمس سنوات في السجن، وما فعله الزوجان هو أنهما تفارقا بغير معروف، أي تطلقا بعد معارك لسانية طاحنة: اسكت يا فاشل يا سكران يا بتاع النسوان، نهارك دخان وليلك كنكان. فيأتيها الرد: وانت عندك وجه تتكلمي في أمور الشرف يا منبع القرف يا بتاعت الدوران واللف، تعرفي إن الحاجة الوحيدة المشرفة في حياتك هي انك زوجتي (كل هذا بالطلياني طبعا)، وبدل ما تحمدي ربك بكرة وعشية صرتِ تلدغيني بلسانك السام وتتطاولي على مقامي السامي.

ظل الزوجان يتبادلان الشتائم على مدى عامين متصلين خاضا خلالهما معركة الطلاق في ساحات المحاكم، «كاشفين أوراق» بعضهما البعض حتى في أمور العورات، ومعارك كلامية في البيت بأقذع الألفاظ أمام الصبي حتى أصيب بالاكتئاب وصار كثير التوهان وتدنى أداؤه الأكاديمي ووجد الزوجان في ذلك ذخيرة إضافية لتبادل الشتائم: الولد طلع فاشل وخائب على أبوه.. أنت مشغول بملذاتك وسهراتك وغزواتك النسائية.. والنتيجة هي ان الولد سائر على طريقك و«ما عنده نفس للدراسة»، وليس من المستبعد أن يصبح جانحا وطائشا مثل أبيه المستهتر. فيرد الأب: وما دورك أنت كأم؟ نسيت أن واحدة حيوانة جاهلة مثلك لا يهمها نجاح أو فشل ابنها، باختصار فما حدث في نهاية جولة عامين من الردح الشوارعي أن راح الأب والأم كل في طريقه، وراح ولدهما في ستين داهية، حيث صار نزيل مستشفى الأمراض النفسية، ولولا انتباه مدرسيه لحاله لكان قد نجحت إحدى محاولاته للانتحار.

في كثير من البيوت يتلاسن الزوجان بأقذع الألفاظ، من دون اكتراث لوقع معاركهما الكلامية على العيال، إما بافتراض ان الصغار «جهال» ولا يفهمون المفردات المستقاة من قاموس المزابل، أو لأنهما ومن فرط جهلهما لا يهمهما في كثير أو قليل إلى أي مدى سيتأثر الصغار بمعارك والديهما، بينما الطفل البالغ من العمر ستة أشهر ينفجر باكيا إذا صرخ شخص بالقرب منه أو أحدث جلبة وضجيجا مزعجا، فما بالك بابنة أو ابن ست سنوات؟ هناك بيوت تمارس فيها الشتائم بين الزوجين وكأنها «النشيد الوطني» لاستهلال كل يوم، ولكن من دون طلاق، والسبب في عدم حدوث الطلاق ليس كونهما يعرفان أهمية الرابطة والمؤسسة الزوجية، بل بالضبط لأنهما لا يعرفان قيمتها وأهميتها، ولهذا يواصلان العيش تحت سقف نفس المنزل، ومثل المكان الذي يعيش فيه زوجان يتناقران كما الديكة باستمرار، لا يستحق كلمة «بيت»، بل حتى كلمة منزل كثيرة عليه ولكن اللغة تجعل كل مكان يقيم فيه الناس نزلا، ومنزلا، والعرب كانت تسمي الفندق/الهوتيل نزلا! حتى في الانجليزية فإن كلمة هاوس تعني البناء/المنزل، بينما كلمة هوم والتي تقابلها كلمة بيت بالعربية توحي بالوئام والمودة والترابط.

مسكين هو الطفل الذي ينشأ في بيت كله صراخ وشجار وشتائم، لأنه في غالب الأحوال يستخدم القاموس العائلي في الشارع والمدرسة ويصبح بالتالي منبوذا ومن ثم عدائيا! ولم لا، وهو يرى في العداوة والبذاءة بين الأم والأب ممارسة يومية ومن ثم طبيعية، وإذا اكتشفت ان طفلا يفترض انه «ابن عائلة» يستخدم ألفاظا سوقية، ولا يعرف حدود الأدب فاعرف ان والديه سوقيان في الواقع، ولكنهما يحافظان على مظهر «العائلة» أمام الآخرين.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news