العدد : ١٥٢٨٦ - الأربعاء ٢٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٨٦ - الأربعاء ٢٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

كيف نعمل على إصلاح الأوضاع العربية؟

بقلم: د. فاضل البدراني

السبت ٠٧ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

الأسباب التي تجعل بعض البلدان العربية تدخل موجة احتجاجات ومظاهرات شعبية وسط تحديات كبيرة في مجملها اقتصادية وسياسية واجتماعية وحتى أمنية تجعلنا نبحث في الحيثيات التي يمكن من خلالها كشف العلة الحقيقية ومتابعة المسار إلى أين يتجه بالأوضاع على الأقل في البلدان المضطربة وطرح النقاط العلاجية بحثا عن الاستقرار. 

وإذا كانت المرحلة الأولى مما سمي بموجة «الربيع العربي» 2010، شوهت صورتها كونها أنتجت خرابا ودمارا في بنية الدولة ما عدا تجربة تونس التي اعتبرت أنموذجا للربيع الشعبي الباحث عن النهج الديمقراطي وذلك في أعقاب إشعال الشاب محمد البوعزيزي النيران في جسده تذمرا من فقر ويأسا من الحياة التي يعيشها مفضلا الموت دون الصبر على المعاناة، وهو الأمر الذي يعكس ضرورة توفر الوعي بتحمل المسؤولية وحماية البلد من الانزلاق.

وبالعودة إلى الأسباب التي تقف وراء تكيف البيئة الاجتماعية السياسية مع طبيعة ظهور موجة جديدة من الاحتجاجات، فإن ذلك يعتبر واحدا من الأسباب الجوهرية الباحثة عن البدائل المؤدية إلى الاستقرار في حياة الشعوب، تلك هي من الأمور التي تحتاج إلى التشخيص وتتلخص في عاملين، يتجسد العامل الأول بأنه خارجي، بتدخل الدول الكبرى وجعل بلدان الربيع العربي ساحات صراع تملأ مجالها بلدان إقليمية أخرى مؤثرة تمارس صراعات داخلية بديلة، تقوم بتسيير أمور الحياة في رسم سياسة نظام الحكم إن كان مع الشعب أو مع الخارج وبنظام اقتصادي يشكل سوقا استهلاكية للخارج فضلا عن انه يستهلك كل قدرات وخيرات البلد ليجعله فقيرا حتما.

ويرتبط بذلك محاولة العمل على إحداث اختلالات اجتماعية تخدم ثقافاتها وآيديولوجياتها. وأما العامل الثاني فهو داخلي، يتمثل بأزمة الوعي الثقافي والسياسي المتجذر والتابعية للأطراف الخارجية بشكل أحزاب وحركات ومكونات اجتماعية، ومنه أيضا نقطة الخلاف بين الشعب ونظام الحكم وانعدام الثقة وحالات الفقر والجوع وغياب فرص العمل وانعدام برامج التنمية تماما، الأمر الذي يجعلهم يبحثون عن أوطان وهويات جديدة.

وفي قراءة للربط بين العاملين الداخلي والخارجي، تبرز نقطة التلاقي بينهما في إنتاج هويات ثانوية متعددة يمكن أن تشكل أساس الخلافات المتعددة المعقدة جراء تفكيك بنيان الدولة وبناء الدولة العميقة على حساب هيبة الدولة الحقيقية، وهذه تعتبر من الأهداف الاستراتيجية التي تعتمدها الدول الخارجية.

يواكب ذلك ظهور خلافات أزمة الهوية الوطنية، وفقدان برنامج تنموي يستوعب حاجات المجتمع لتنمية الاستقرار في طبيعة العلاقة بين السلطة والشعب. وتاريخيا فإن العرب دائما يشكلون نقطة مجال لأطراف خارجية تتدخل في شؤون بلدانهم بينما لا يبرز منهم سوى ردود فعل غير منتجة وفاقدة للحماية وسبل الدفاع لأنها ببساطة لا تملك مشروعا استراتيجيا ناضجا.

وفي أي بلد فإن فلسفة نظام الحكم أو الحزب هي في الواقع تعكس الموقف من التنمية الشاملة، وبالمقابل فإن الفلسفة التنموية التنظيرية هذه تذهب باتجاه مخالف للواقع عمليا، فتغيب برامج الاستقرار المجتمعي من رفاهية وفرص العمل والتوظيف والخدمات الأساسية وتعزيز مفهوم الهوية الوطنية وإبعادها عن موضوع القلق أو الخوف عليها، والتمسك بها. وبخلاف بعض بلدان المنطقة العربية التي تمتلك أنظمة حكم ناضجة من حيث كونها منتجة ومصدرة وتملك عوامل الاستقرار الدستوري في دساتير حكم مستوعبة لآمال المجتمع وتطلعاته، وتتميز بالتنمية الاقتصادية والاستقرار المجتمعي من رفاهية وسبل عيش ايجابية وتنتهج سياسة الحياد في التعامل مع مكونات المجتمع ومع الدول الخارجية.

ومن هذا المنطلق والتشخيص فإنه ينبغي من الدول التي تواجه صفحات الحراك الشعبي وضع برامج جديدة لصناعة واقع حياتي بقدر ما تتميز به من وجود الدساتير الناضجة التي تتلاءم مع طبيعة الواقع وتشخص الإرهاصات، فإنها تحمل مشروعا سياسيا حضاريا يحترم خصوصية جميع المكونات الداخلية، وتجعل العلاقة مع الشعب تشكل نقطة الانطلاقة الفعلية في التعامل مع القوى الدولية الكبرى والإقليمية بهدف الحفاظ على الاستقلال والسيادة والوصول إلى قناعة أن الشعب هو أساس السلطات ومصدرها.

‭{‬ كاتب وأكاديمي عراقي

Faidel.albadrani@gmail.com

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news