العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

عدوانية «إسرائيل» تتحصن خلف التشريعات

مرر مجلس النواب الفرنسي مشروع قانون يعتبر كراهية «إسرائيل» شكلا من أشكال معاداة السامية، تم تمرير هذا المشروع بغالبية 154 صوتا مقابل 74، هذا القانون لاقى إشادة وترحيبا واسعين من جانب المسؤولين «الإسرائيليين» والعديد من المنظمات الداعمة لــ«إسرائيل» واعتبرت هذا القانون دعما لجهود التصدي لمعاداة السامية، ومن منظور الدعاية الصهيونية فإن معاداة السامية تعني معاداة اليهود، ذلك أن هذا المصطلح (معاداة السامية) لا يشمل مثلا العرب والآشوريين وغيرهم من الساميين على الرغم من انتمائهم للسامية، وبالتالي فإن معاداة هؤلاء لا تصنف على أنها معاداة للسامية، وهنا يكمن الخلط الخطير ويوفر غطاء دينيا للسياسة.

يرى البعض أن هذه الخطوة الفرنسية جاءت تحت ضغوط المنظمات اليهودية وبعض منظمات المجتمع المدني والمدافعة عن حرية المعتقد والدين والمساواة الإنسانية بعيدا عن أي شكل من أشكال الانتماءات العرقية أو الدينية، موقف هذه المنظمات يأتي بعد الأرقام التصاعدية للجرائم المعادية لليهود في فرنسا، حيث ارتفعت العام الماضي، بحسب البلاغات التي تلقتها الشرطة، إلى 541 جريمة، بينما كانت في العام الذي سبقه 311 فقط، وشملت تدنيس عشرات المقابر اليهودية ورسم الصلبان المعقوفة على أبواب المنازل، لكن هذا الارتفاع لا يعني أن سجلات الشرطة خالية من البلاغات بشأن استهداف أتباع ديانات وقوميات أخرى غير اليهود.

من حيث المبدأ، سواء أقر مثل هذا القانون أو لم يقر، فإن معاداة أي إنسان وإيذائه بسبب انتمائه العرقي أو الديني أو السياسي، أو أي انتماء آخر يعد جريمة يجب أن تتضمن التشريعات الوطنية للدول، نصوص صريحة تحدد العقوبات تجاه هذه الجرائم، أما حصر العداء ومناهضته في قومية أو دين أو عرق من دون غيره، فإن ذلك من شأنه أن يجعل أتباع الديانات والأعراق الأخرى بلا تغطية أو حماية قانونية، بل الأخطر من مثل هذه الأحادية توفر حماية غير مباشرة للسلوك السياسي العدواني.

خطورة مشروع القانون الذي مررته الجمعية الوطنية الفرنسية أنه يربط كره «إسرائيل» بمعاداة السامية، وهنا نجد تلاعبا، قد يبدو متعمدا، بمعاني الكلمات، ذلك أن ربط الموقف من «إسرائيل» بمعاداة اليهود فيه شكل من أشكال التغطية على الجرائم التي ترتكبها «إسرائيل»، ككيان سياسي، ضد الشعب الفلسطيني، فهذه الجرائم لا يرتكبها اليهود كأتباع ديانة، ولا يرتكبها الجنود «الإسرائيليون» بصفتهم يهودا، وإنما بصفتهم جنودا منتسبين الى دولة وهم ينفذون أوامر وتعليمات قادتهم العسكريين وهؤلاء يستمدون مواقفهم من التعليمات التي يرسمها القادة السياسيون.  

كما سبق القول بأن تعريف وحصر معاداة السامية بالموقف من أتباع الديانة اليهودية وبسط ذلك على «إسرائيل» كدولة، من شأنه أن يخلق بلبلة وهذا ما ذهبت إليه 39 منظمة فرنسية في رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمعية الوطنية تحذر من تمرير مشروع القانون، حيث ترى هذه المنظمات أن التعريف المنفصل لمعاداة السامية من شأنه أن «يضعف النهج الشمولي لمحاربة جميع أشكال العنصرية»، بل ذهبت هذه المنظمات إلى التحذير من أن مثل هذا القانون يعرض للخطر «الدفاع عن حرية التعبير والتجمع للمجموعات والناشطين الذين ينبغي السماح لهم بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين وانتقاد سياسة إسرائيل من دون اتهامهم زورا بمعاداة السامية».

مثل هذا التحذير الذي أطلقته المنظمات المذكورة لم يأت من فراغ، فهذه المنظمات تعرف ويعرف غيرها أن «إسرائيل» استغلت مسألة معاداة السامية وكذلك حملات العداء ضد اليهود التي اجتاحت أوروبا في العقود الماضية، استغلالا سياسيا وعملت جاهدة وسخرت كل الوسائل الإعلامية والدعائية من أجل الوصول إلى هدف ربط العداء للسامية بالعداء لــ«إسرائيل»، وحققت في هذا الاتجاه نجاحات ملموسة وآخرها مثل هذا المشروع الذي أقرته الجمعية الوطنية الفرنسية.

من المهم جدا التفريق بين معاداة اليهود أو غيرهم من اتباع الديانات الأخرى وبين سياسات الدولة التي ينتمي إليها معتنقو هذه الديانات، فممارسة الدولة هذه السياسة أو تلك لا يجب أن ينظر إليها من الزاوية الدينية، ومحاولة إيجاد خيوط مشتركة بين السياسة والدين، وهو خلط يؤدي إلى التشويش على المواقف الرافضة لسياسة هذه الدولة أو تلك، ذلك أن الموقف من هذه السياسة ليس له علاقة البتة بالانتماء الديني لأبناء هذه الدولة ومعتقداتهم، وبالتالي لا يجب تقييد الموقف من هذه السياسة بالعلاقة مع الدين. فسياسة الدول لا تمثل الانتماء الديني لشعوبها ولا يجب من حيث المبدأ ربط هذه السياسة بدين هذه الشعوب ولا بدين هذه الدول أيضا، فالخلط هنا واعتبار الموقف من سياسة «إسرائيل» هو موقف من السامية أو من اليهود بالدرجة الأولى، إنما يعطي القادة «الإسرائيليين» الضوء الأخضر لممارسة ما يريدون ممارسته من سياسة عدوانية تجاه خصومهم من العرب، ومن الفلسطينيين بالدرجة الأولى، وهنا تكمن الخشية من مقاصد القانون الفرنسي الجديد، أو من إمكانية استغلال «إسرائيل» لهذا القانون لتأمين سياستها العدوانية من الانتقاد والرفض.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news