العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

كيف كرَّم الإسلام غيرَ المسلم ورفعه إلى مقام الدولة

بقلم: أ.د/ إبراهيم أبو محمد *

الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ - 12:09

 

لقد بلغ التسامح في الحضارة الإسلامية مدى لم تصل إليه حضارة من الحضارات في القديم أو الحديث، ولم تعرف الدنيا نظاما ومنهجا في واقعه النظري والتطبيقي يرفع من مستوى غير المسلم ليجعل منه شخصية اعتبارية تتجاوز حدود ذاته كفرد لترتفع به إلى مستوى الدولة فيعقد معه الإسلام بموجب القانون الإسلامي الدولي معاهدة يكون له بمقتضاها حق الذمة. وحق الذمة هنا ليس حقا تستند رعاية تنفيذه إلى فرد من الأفراد أو إلى مؤسسة من المؤسسات، وإنما هو حق يتضافر في حمايته وتنفيذه كل المجتمع بأفراده ومؤسساته كما أنه حق لا يصطبغ بصبغة مدنية فقط بحيث تؤول مسؤولية رعايته وتنفيذه إلى أي جهة، وإنما هو حق يحمل ذمة الله وذمة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ليكون له من القداسة والتقدير ما يجعله أهلا لاحترام الجميع؛ رعاية لذمة الله وذمة رسوله (صلى الله عليه وسلم).

والإسلام الذي بُعث به سيد الخلق محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) لم يلغ اليهودية، ولم يلغ المسيحية، وإنما بنى عليهما وأتمهما وأكملهما بل إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ربط نفسه بالحنفاء الذين يتعبدون على دين إبراهيم أعمق أعماق الثقافة العربية الموجودة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت، بل إنه عامل المجوس والبراهمة والصابئة معاملة أهل الكتاب وقال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) ما داموا جزءا من المجتمع المسلم، وقد قال القاضي ابن عبدالبر: «إن عبدة الأوثان جزء من الأمة ولا علاقة لنا بعقائدهم فحسابهم على الله أما نحن فلنا منهم العمل الصالح وحسن الجوار وعدم الاعتداء»، وهنا نشير إلى ميثاق أهل المدينة وعقد الرسول إلى أهل نجران، وعقد عمر إلى أهل إيلياء، فهل عرفت الدنيا مثل هذا التسامح على مر العصور؟ وهل وجدت في دساتيرها نصوصا تصل إلى هذا المستوى أو حتى تقترب منه في حماية ورعاية الآخرين منذ عرفت الدنيا حقوقا؟.

الغريب في أمر الغرب -كمؤسسات لا كشعوب- أنه ينسى ذلك كله ثم يختزل الإسلام بعطائه الإنساني المشهود وحضارته التى ازدهرت بها الدنيا واستنار بها الغرب ذاته، الغريب أنهم الآن ينسون ذلك كله ويختزلون الإسلام في ظرف استثنائي تعيش الأمة فيه حالة من حالات الجزر الحضاري والانكماش الثقافي ليجعل منها عنوانا عاما لدين بنى حضارة عمرت المشارق والمغارب وعلى مدى عصور زاهية لم تعرف البشرية ندا لها في العدالة واحترام حقوق الإنسان. 

ولابد هنا أن نتنبه للفرق بين الغرب كشعوب وبين الغرب كمؤسسات، فالغرب كشعوب ضحايا كما نحن ضحايا، هم ضحايا التزييف السياسي والغش الثقافي والإعلام الموجه والمسيس، كما أننا أيضا ضحايا الإعلام الكاذب ومصانع الكذب وضحايا ما يطلق عليهم بالنخبة. 

وقد ساعد غيابنا كعرب ومسلمين عن الساحة الإعلامية في تكريس الرؤية المؤسسية الغربية على اغتيال العقول وتمرير الزيف وبخاصة أن الطرف الذي يملك الحقيقة كاملة لم يهب للدفاع عن نفسه ولم يحاول شرح ما لديه من حقائق حول الإسلام وحضارته وعطائه الإنسانى على مدار التاريخ، ذلك أن الإسلام في ميدان الحياة العامة حريص على احترام شخصية المخالف له، ومن ثم لم يفرض عليه حكمه، أو يقهره على الخضوع لعقائده، ولم يقم بمصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم أو المساس بأموالهم وأعراضهم ودمائهم، بل ترك أهل الأديان وما يدينون، ولقد تقررت هذه الحقيقة لا من خلال النصوص الدينية فقط، وإنما بشهادة كبار المفكرين والباحثين المنصفين من كتَّاب ومفكري الغرب أنفسهم، وقد كانت ممارسات المسلمين في شتى عصورهم، تطبيقا حيا وعمليا يجسد حالة الالتزام في أرقى درجاتها رعاية وعناية، وأعلى تجلياتها كرما وتسامحا. 

كما أن الإسلام أيضا حريص في تعاليمه على تكريم الإنسان في شخص غير المسلم، لدرجة أنه يمنحه شخصية اعتبارية فيرفعه إلى مقام الدولة ويعقد معه معاهدة يكون له بمقتضاها ذمة الله وذمة رسوله وذلك أرفع ما يتمتع به إنسان من الحماية والرعاية في مجتمع المسلمين. 

إن الإسلام أعلى المناهج تسامحا وأكثر الأنظمة حرصا على وحدة الأمة وتماسكها حيث بلغ من سماحته ورعايته لغير المسلين -ولو كانوا مشركين وليسوا من أهل الكتاب- أنه لا يكتفي منا بأن نجيرهم ونؤويهم ونكفل لهم الأمن في جوارنا فحسب، ولا يكتفي منا بأن نرشدهم إلى الحق ونهديهم طريق الخير وكفى؛ بل يأمرنا بأن نكفل لهم كذلك الحماية والرعاية في انتقالهم حتى يصلوا إلى المكان الذي يأمنون فيه كل غائلة، (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ)، ولم تعرف الدنيا أو تعي ذاكرة التاريخ نموذجا لسمو المبدأ ورقي الفكرة، منذ وعت ذاكرته أدب التسامح وقواعد الأخلاق اسمى وأنبل من تلك الوصايا الذهبية التي يوصينا بها القرآن في معاملة الوثنيين الذين يدينون بديانة هي أبعد الديانات عن الإسلام، فضلا عن الديانات الأخرى التي تربطنا بها أواصر الوحي السماوي في مجتمع المسلمين.

فإذا كنا نحن لم ندافع عن قضايانا ولم نتحمس لدفع شبهة الشراسة والعدوان عن أنفسنا فكيف يطلب من الآخرين أن يدافعوا هم عن قضايا أصحابها غائبون؟. 

وفي الظرف الحالي الذي تمر به أمتنا بكل طوائفها، لا بد من تضافر جهود العلماء والمفكرين والباحثين لتكون كمفتاح الضوء الذي يأذن بجريان التيار الكهربائي في روح الأمة، فيجرى منها جريان العصارة الحية في الشجرة الخضراء يدفعها بقوة نحو أمل وعمل، لتصحيح المسار، وتغليب مصلحة البلاد والعباد على المصالح الشخصية، بدلا من النزاع والشقاق والفرقة والتشرذم (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ). 

* المفتي العام لقارة أستراليا

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news