العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (103)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ - 12:08

مختارات من أحاديث الإمام الأكبر محمد الخضر حسين شيخ الأزهر (6)


 المرحلة المصرية (82):

 

ماذا نأخذ من غيرنا وماذا نتمسك به من أصولنا؟

هذا حديث الإمام الأكبر لجريدة الأهرام وقد نشرته مجلة الأزهر في عدد شعبان 1372هـ - ابريل 1953 ونحن نختار منه ما يلي: يقول فضيلته: نحن الآن في طور من أطوار التاريخ عزمنا فيه على أن نعالج أسباب ضعفنا وأن نأخذ – إن شاء الله – بجميع وسائل القوة لنعود كما كنا أمة صالحة سليمة الاتجاه سعيدة العيش، محترمة من الأمم ومتبادلة معها صنوف المصالح والمنافع ومتعاونة مع الجميع على التقدم بالإنسانية إلى أهدافها العليا.

وأول ما ينبغي لنا تمييزه في معالجة أسباب الضعف والأخذ بوسائل القوة: أن نكون على بينة مما نأخذ عن غيرنا وما ينبغي لنا التمسك به من أصولنا ومبادئنا وما به قوام كياننا.

إن الإسلام يأمرنا أمرًا دينيًا بأن نكون أمة قوية بأخلاقها قوية بعلومها النافعة وصناعتها التي عليها مدار العمران، قوية باستعدادها العسكري للدفاع دائمًا وفي أي لحظة عن كل ما لنا من حقوق، وما نؤمن به من حقائق فالأخذ بأسباب القوة من جميع هذه النواحي والاضطلاع بالعلوم اللازمة له من طبيعة وكيمياء وميكانيكا ورياضة واقتصاد وإحصاء فرض لازم على المسلمين لأن دينهم أمرهم بأن يكونوا أقوياء فأصبح ذلك واجبًا عليهم وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومما ينبغي لنا في هذه الأمور: أن لا نقتصر على المحاكاة والتقليد بل الواجب أن نعد الأذكياء من أبنائنا وشبابنا للتقدم فيها حتى يكونوا من أئمتها المبتكرين وعلمائها المخترعين وقد وهبهم الله من الألمعية والذكاء وعظيم الاستعداد ما يساعدهم على ذلك في سنوات قريبة إن شاء الله.

هذا هو الجد وبهذا تتم النهضة فنأخذ في طريق الفلاح ونبلغ مقام الإمامة في العلوم ونتأهل لما وراء ذلك مما استخلف الله به الإنسانية الكاملة في الأرض. أما الأمور التي بها قوام كياننا والعمل بمبادئنا والرجوع إلى أصولنا فهذا مما لا يجوز لنا محاكاة غيرنا فيه. بل إن كل أمة تحترم نفسها وتعتز بكيانها تترفع عن محاكاة في أصولها ومبادئها وإننا لا نزال نتذكر ما وقع في إنجلترا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فإن أعضاء حزب العمال في وزارة (تشرشل) كانوا يطالبون بتجديد الانتخابات النيابية وكان تشرشل يحب أن يتأنى في ذلك فكتب إلى (مستراتلي) رئيس حزب العمال يقترح أن يستعاض عن تجديد الانتخابات بعمل استفتاء عام فأجابه مستراتلي بكتاب لا يزال يرن صداه في الآذان حتى اليوم إذ قال فيه «إن فكرة الاستفتاء اختراع أجنبي وليس من الخير أن يُسمح له بدخول البلاد البريطانية».

ولقد كان مستراتلي على حق في هذا لأن كل أمة ذات أصول ومبادئ تتصل بنظامها الخاص بها وبكيانها الذي تعتز به في تاريخها لا يجوز لها أن تفرط في أصولها ومبادئها لتحاكي غيرها في شيء من ذلك وهذا الاعتزاز بأصول الأمة ومبادئها من مظاهر قوة الأمة بل هو من رسائل تلك القوة.

إن هذه القاعدة المزدوجة وهي: الأخذ بكل ما وصلت إليه الأمم من علوم القوة والتقدم العمراني وأسبابهما مع التمسك بالأصول والمبادئ الخاصة بنا والموروثة عن أسلافنا وهي التي ينبغي لنا أن نعمل بها في أنفسنا أفرادًا وفي بيوتنا وأسواقنا ومجتمعنا ودولتنا، فالفرد منا يجهز نفسه وبيته بكل ما يحتاج إليه مما توصل إليه العلم كالأدوات الكهربائية والتليفون، وأمثال ذلك وفي الوقت نفسه يتوقى كل ما لا يتفق مع آداب دينه كاختلاط النساء بغير محارمهن بدون رقيب ولا حسيب.

وفي مصانعنا نستعين بكل ما وصل إليه العلم من آلات دقيقة وسريعة لننافس الأمم بتقدمنا وجودة إنتاجنا وفي الوقت نفسه نتعامل مع عملائنا بكل ما أرشد إليه ديننا من رفق وتراحم وتعاون واخلاص وأمانة وحفظ للمواعيد وتمسك بالعهود وتجنب لنقيصتي البخل والإسراف والمحاباة والإجحاف.

وفي مجتمعنا نتحرى المبادئ والقواعد الخاصة بنا في كل ما نحاوله من تنظيم وعمل، مع ما نحرص عليه من أسباب القوة والتقدم والنجاح ليتصل حاضرنا بماضينا ولنكون به قدوة لمن يأتي بعدنا من الأجيال.

إن النهضة التي تقوم على هذين الأساسين هي النهضة الصادقة الثابتة الخطى والوثيقة الدعائم، وهي التي تتقبلها الأمة بالاستبشار لأنها توافق مصلحتها وتتفق مع راحة ضمائرها وتكون بذلك عبادة لأنها جمعت بين سعادة الدنيا وفضائل الدين.

أما الذين يشغلون الأمة عن الاستعداد للنهوض بالتعرض لأمور تراها الأمة ماسة بأصول ومبادئ عزيزة عليها وهي في الوقت نفسه لا دخل لها فيما نحن آخذون به للنهوض بالمرافق الصناعية والزراعية والعسكرية كمحاولة محاكاة الأمم الأجنبية في نظام الأسرة وشؤون الزواج والأمور الشكلية كالأزياء وما إليها فإن ذلك كله ليس من مصلحة الوطن ولا خير فيه لهذه الأمة وهي في هذا الطور العظيم من أطوار نهضتها وتقدمها.

- الإضراب عن الطعام انتحار والإضراب عن العمل قتل للوقت:

ومما ينبغي لجمهور الأمة أن يكون على علم به، أن كل ما طرأ علينا من عدوى أجنبية في حياتنا الاجتماعية كالإضراب عن الطعام احتجاجا على أمر من الأمور أو الإضراب عن العمل لخلاف بين العمال وأصحاب الأعمال فإنه مما لا يليق ببلد إسلامي لأن الإضراب عن الطعام انتحار يسخطه الله وصاحبه يبتعد عن حياة الدنيا وحياة الرضا في الآخرة.

والإضراب عن العمل قتل للوقت وسخط للرزق وتعطيل لمصالح الأمة وما دامت أبواب العدل مفتوحة ومرافق الدولة مستعدة للنظر في الشكاوى والتوفيق بين المصالح، فذلك هو الطريق للوصول إلى الحقوق العادلة وإن هذا الشرق الإسلامي في حاجة إلى أن يأخذ عن غيره أسباب القوة لا وسائل التعطيل والانتحار.

ومن أدق موازين الحكم على الوعي القومي والنضوج الاجتماعي مراقبة ما تأخذه الأمة عن غيرها من خير وما تتجنبه مما لا خير فيه ونحن اليوم في هذا الطور من أطوار التاريخ، والتاريخ يراقبنا في هذا الامتحان ليرى ما نأخذ وما ندع. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news