العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الزموا البيوت يا أزواج ويا زوجات

عبرت بالأمس عن تعاطفي مع السيدة التي طلبت الخلع لأن زوجها يقضي كل وقته بالبيت في القراءة، ثم صار سريع الهيجان كلما خاطبته زوجته أو إحدى طفلتيه في أمر عائلي، حتى لو كان ذلك الأمر على درجة عالية من الأهمية، وقلت إن المحكمة قضت لها بالطلاق وليس بالخلع الذي يستوجب رد الزوجة المهر وبعض نفقات مراسيم الزواج للزوج المخلوع، ثم اعترفت بأنني كنت، لحين من الدهر مثل ذلك الرجل، لا أكاد أبادل زوجتي أكثر من عشرين كلمة في اليوم، بسبب إدماني القراءة، بينما أنا عادة لا أميل إلى قضاء أي وقت خارج البيت إلا «للشديد القوي»، وقلت إنني أحسست بالذنب ونلت تصريحا وتصديقا من أم المعارك بالقراءة لثلاث ساعات عقب عودتي من العمل، «ولكنني وإلى يومنا هذا أحتفظ بعدد من المجلات الأجنبية في حمام غرفة النوم، والغرض من ذلك اختلاس دقائق إضافية من الفترة التي تعهدت بعدم القراءة خلالها، بحجة المعاناة من الإمساك»، والمهم هو أنني تعرَّفت أكثر على زوجتي بعد أن خصصت كل الأمسيات للونسة والدردشة العائلية، وكرسنا أنا وهي ذلك التقليد بجعل عيالنا الأربعة ينضمون إلينا فنجلس كلنا في غرفة النوم الرئيسية التي زودناها بمقاعد مريحة لبعض الوقت كل ليلة نسولف ونتآنس ونتغشمر ونهزر، وعندما كان العيال صغيري السن كنا ننام نحن جميعا في غرفة النوم الرئيسية، خلال العطل الأسبوعية والعامة فتكون ليلة «مهببة» تتعالى فيها الصيحات بمجرد إطفاء المصابيح الكهربائية هذه تتهم أخاها بأنه شدها من شعرها، وذاك يتهم أخته بأنها حشرت إصبع قدمها عامدة في أنفه.

تلك التجربة مقرونة بتجربة السيدة التي طلبت الطلاق من الزوج المثقفاتي مدمن القراءة جعلتني أدرك أن بيوت الزوجية ليست شركات فيها طرف يحمل نسبة أكبر من الأسهم، وبالتالي له صلاحية اتخاذ قرارات فردية حول شؤون الرعية، أو تجاهل الطرف الآخر.

كتبت كثيرا عن الأزواج الآباء الذين يعودون إلى بيوتهم بعد انقضاء ساعات العمل ويفرضون على عيالهم وزوجاتهم حظر التجوال ويصادرون حرياتهم في التعبير واللعب لأنهم ينشدون الراحة لساعات معينة. ولا بأس في ذلك، ولكن أن تنام بعد عودتك من العمل وتغادر البيت يوميا لقضاء وقتك في الأمسيات مع أشخاص آخرين، فيه كل البأس والغلط، ولكن المحزن أن بعض السيدات - والنساء عادة أكثر التصاقا واهتماما بشؤون عائلاتهن - كثيرا ما يخصصن معظم أوقاتهن لأنفسهن أو لاهتماماتهن الشخصية: التلفون والتلفزيون والسوق والزيارات التي لا تنتهي. ومشكلة كثير من النساء المتفرغات لشؤون البيت هي الميل إلى تمضية الوقت بـ«الكلام» الذي يحلو في اللقاءات الاجتماعية، والكلام ضروري للإنسان العامل والعاطل، ولكن أن يصبح الوسيلة الوحيدة لما نسميه قتل الوقت، ففي ذلك إهدار لطاقات في ما لا طائل من ورائه، فقتل الوقت بتلك الطريقة يقتل القدرة على فعل ما هو مفيد وذي جدوى.

وأقول إنني وبعد مسيرة مهنية طويلة وشاقة تعلمت وأدركت أنني أعمل من أجل أسرتي الصغيرة والممتدة، وبالتالي قررت عدم جعل ساعات العمل خصما من الساعات المخصصة للأسرة، بمعنى أن أرمي بـ«الشغل» وراء ظهري فور دخولي البيت، وبالتالي لا يحدث أكثر من مرتين في السنة أن أجلس في البيت لأداء عمل رسمي.

وأعرف نساء كثيرات ناشطات في العمل العام من خلال جمعيات محترمة، غالبيتهن ينجحن في التوفيق بين حياتهن العامة والخاصة، ولكن أقلية تتحمس للعمل العام حتى يبتلع كل وقتها، والكلام موجه إلى إحدى قريباتي النشطات في العمل الخيري والتي كثيرا ما أقول لها إن نشاطها ربما يكون «منزوع البركة» لأنها تكاد أن تكون زائرة عابرة لبيتها وفي حياة عيالها.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news