العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٤ - الجمعة ١٤ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الزوجة أهم من الكتاب

من خلال تجارب شخصية وباستقراء تجارب آخرين أحسب أنني بتُّ أعرف أمرا أو اثنين عن الحياة العائلية، وما فيها من منحنيات ومنعطفات ومطبات صعودا وهبوطا، وبعض تلك المطبات قد تكون من صنع الزوجة لأنها تهمل واجباتها، أو لأنها متلافة أو لأنها نقناقة بسبب ومن دون سبب، أو بسبب طول لسانها، وقد تكون من صنع الزوج لأنه متغطرس أو سبهلل أو فظ أو.. إلخ.

وأستعيد اليوم تجربة السيدة التي قررت طلب الطلاق من زوجها بعد زواج تجاوزا فيه فترة الاختبار بسنوات ورزقا خلاله بصبيان وبنات، «فترة الاختبار في الزواج هي الأشهر الستة الأولى من الزواج فخلالها يتم التعارف والتآلف ويظهر كل طرف على حقيقته فإما قبل هذا الطرف أن يتعايش مع ما يعتقد أنه من عيوب الطرف الآخر، أو تبدأ الحرب الأهلية»، المهم أنه وبعد زواج دام ست سنوات، وأسفر عن طفلتين، قررت تلك السيدة طلب الطلاق. لماذا؟ لأن زوجها مثقف زيادة عن اللزوم، وقد أعلنت من قبل عبر هذه الزاوية عن تعاطفي التام معها، وخلال جلسة الحكم الأخيرة المخصصة للنطق بالحكم لم يصدر عن الزوج المثقفاتي ما يشير إلى أنه يعتزم التراجع عن ممارسة أمور تسبب الضيق والنفور لزوجته، فكان أن قضت لها المحكمة بالطلاق مع نفقة معتبرة، والممارسة التي أتكلم عنها تتمثل في أن هذا الزوج كان حريصا على اقتناء مختلف أنواع الكتب وقراءتها. بس «مسَّخْها» حبتين أو حبات كثيرة، فقد كان من عادته أن يعود من عمله ويغلق باب الغرفة عليه، ويظل يقرأ حتى يداهمه النوم، وخلال العطل الأسبوعية ينسف كتابين أو ثلاثة، أي يقرأهما من الغلاف إلى الغلاف، ولو وقف الأمر عند هذا الحد لربما لم تطالب الزوجة بالطلاق، وشيئا فشيئا صار الزوج لا يقبل أي حديث يوجه إليه وهو يقرأ: يا زوجي يا حبيبي، الدش عطلان. إلهي يوقع ويدشدش راسك.. تأتي صغيرته: بابا ممكن تروح ويانا الحديقة.. روحي مع أمك في داهية تودي ما تجيب.

في فترة ما من فترات مسيرتي الزوجية الظافرة «طالما هي مستمرة فهي ظافرة».. كانت زوجتي ستطالب بالخلع لو كانت تعرف بوجوده، فقد كنت مثل سبع البرمبة ذاك: في الصباح أقلب نحو خمس صحف قبل الخروج إلى العمل، وبعد العودة من العمل أتناول الغداء وأحبس نفسي داخل غرفة وأقرأ في كتاب أو أكثر، وفي المساء أتابع نشرة أخبار رئيسية في التلفزيون، ثم أستلقي على ظهري في السرير وأواصل القراءة. أعود بذاكرتي إلى تلك الفترة وأحس بالذنب والتقصير، فمن الناحية العملية لم أكن أتكلم مع زوجتي في أمور عادية ما لم تبادر هي بـ«فتح» موضوع ما، وحتى عندما أبادلها الحديث حول ذلك الموضوع كنت أتعمد «قفله» بأسرع ما يمكن حتى يتسنى لي مواصلة القراءة، وما يخجلني أكثر هو أنني خفضت ساعات القراءة بنسبة تبلغ نحو 15% بعد مولد طفلنا الأول، ونسبة 25% بعد مولد الطفل الثاني.. وهلم جرا. بعبارة أخرى لم أقلل ساعات القراءة وأخصص جزءا كبيرا من وقتي للعائلة إلا لإحساسي بأن لعيالي عليَّ حقا، أقصد أنني لم أفعل ذلك مراعاة لخاطر ومشاعر زوجتي بل «عيالي»، وخذ في الاعتبار أننا كنا نعيش خارج وطننا، وأنه كان يفترض أن أكون الصديق والأنيس الأول لزوجتي، لم أسمع شكوى من زوجتي حول كل ذلك إلا بعد أن استغنى أصغر عيالي عني كشريك في اللعب، وعدت إلى القراءة بنهم. صارت أم المعارك تخاطبني بتهكم بعبارات مثل «اتفضل البيت بيتك».. كلما دخلت البيت.. أو «لماذا لا تستأجر البيت المجاور لنفسك كي تتفرغ للقراءة؟».. توقفت عن القراءة الجادة ستة أشهر متصلة، مكتفيا بقراءة الصحف والمجلات على عجل.. رق قلب زوجتي، وتوصلنا إلى اتفاق بأنه من حقي أن أعيش في عزلة وهدوء لثلاث ساعات عقب عودتي من العمل، ويا ويلي إذا ضبطتني أقرأ في الأمسيات.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news