العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

استقالة عبدالمهدي ليست حلا

جاءت استقالة رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي أولى الثمار ونتيجة لا مفر من تحقيقها إثر اندلاع المظاهرات والصدامات العنيفة في عديد من المحافظات والمدن العراقية والتي أدت إلى سقوط مئات القتلى وآلاف المصابين إضافة إلى أعداد مماثلة من الموقوفين، فهذه الاستقالة هي واحدة من المطالب التي رفعها المتظاهرون على خلفية الاتهامات التي وجهت إلى الحكومة والأحزاب السياسية العراقية فيما يتعلق باستشراء آفة الفساد في المنظومة الحاكمة والتي أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية والحياتية لشرائح واسعة من الشعب العراقي رغم تعافي قطاع النفط وارتفاع عائدات الدولة من العملات الصعبة نتيجة تحقيق العراق مبيعات نفطية كبيرة.

كل الظروف الموضوعية مهيأة لاندلاع الانتفاضة العراقية الحالية، إذ الفساد استشرى في هياكل الدولة العراقية وتحول إلى ما يشبه الآفة التي أخذت تنخر في هذا الهيكل الأمر الذي انعكس سلبا على أوضاع المواطنين العراقيين في جميع المناطق، فوصلت قطاعات حيوية مثل الخدمات الصحية والإسكان والكهرباء إلى حد الانهيار في الوقت الذي التهم فيه الفاسدون مداخيل الدولة العراقية وفي نفس الوقت تعاظمت حدة الانقسامات داخل المجتمع العراقي في ظل قيادة الأحزاب الحاكمة التي جاء بها الغزو الأمريكي ونصبها على «إدارة» العراق.

في ظل أوضاع معيشية وحياتية كتلك التي وصل إليها الشعب العراقي وفي ظل حكومات الاصطفافات الطائفية التي جاء بها ورسمها مهندسو الغزو الأمريكي للعراق منذ عام 2003. فإن اندلاع انتفاضة بهذا الحجم الجماهيري والاتساع الجغرافي، لم يكن أمرا مستغربا على الإطلاق، فالشرائح الواسعة من أبناء الشعب العراقي سئمت من مثل هذه الأوضاع ومن تجاهل حكومات الاصطفاف الطائفي هذا التجاهل المتعمد لشكاوى المواطنين العراقيين وتذمرهم من استشراء آفة الفساد واتساع أرقام العاطلين عن العمل من مختلف المكونات المجتمعية والعلمية.

وما أسهم أيضا في استمرار هذه الانتفاضة وتحولها إلى ما يشبه المقاومة العنيفة للإجراءات الأمنية الحكومية، لجوء أجهزة الأمن والجيش إلى استخدام القوة المفرطة في مواجهة المحتجين تحت ذريعة «حماية» الممتلكات العامة، لكن أرقام الضحايا والمصابين من المدنيين العراقيين تدحض هذه الذريعة، فالروايات المختلفة تتحدث عن استهداف متعمد للمتظاهرين المحتجين بالرصاص الحي وفي الأماكن القاتلة، وما يؤكد صحة هذه الروايات الأرقام التي تتحدث عن ذلك.

هذه الأحداث وضعت العراق أمام مفترق طرق حقيقية وجعلت حتمية التغيير النوعي أمر لا مفر منه، فالشرارة التي أطلقت هذه الانتفاضة الجماهيرية والتي كان عنوانها الأول هو توفير المقومات المعيشية للمواطنين، هذه الشرارة تحولت إلى حريق عارم في مناطق التجمعات السكانية الرئيسية في العراق ومع هذا التحول ارتفعت نوعية المطالب واتسعت، إذ لم تكن المتطلبات المعيشية ومحاربة الفساد والمفسدين هي المطالب التي تسيطر على تحركات المنتفضين، بل تعدى ذلك إلى المطالبة بتغيير سياسي جذري في العراق.

على ضوء هذه التطورات يمكن النظر إلى استقالة الحكومة العراقية برئاسة عادل عبدالمهدي على أنها تحصيل حاصل، وهي لن تكون النهاية على الإطلاق، بل يمكن اعتبارها البداية للتغيير النوعي المنشود، لكن مثل هذا التغيير لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها، فالتغيير النوعي الذي يحتاج إليه العراق، ليس مجرد تغيير الأشخاص أو تبادل المواقع بين الأحزاب التي باتت هي المتحكم في الشأن السياسي العراقي، فالوضع السياسي القائم والتركيبة التي أسسها الغزاة، هي أصل المصائب التي يعاني منها الشعب العراقي وهي التي أنجبت هذه الآفة الخطيرة التي تهدد مستقبل العراق بأكمله.

لا يمكن للشعب العراقي أن يحقق تطلعاته وطموحاته في ظل الهياكل السياسية القائمة، فالساحة العراقية تحتاج إلى تغيير جذري ونوعي في هذه الهياكل تقود إلى تفكيك التركيبات الهيكلية لمعظم الأحزاب السياسية، وخاصة تلك التي تقود عملية المحاصصة الطائفية العرقية التي أرادها الغزاة وكرسوها كجزء من النظام السياسي، مع أن مثل هذه التوزيعات والمحاصصات الطائفية والعرقية، تعد دخيلة على تاريخ العراق السياسي، وهي كما سبق القول جزء أصيل من الأزمة التي يعيشها العراق في الوقت الراهن، ومن هنا فإن هذه الأزمة لن تحل ولن يجد الشعب العراقي له مخرجا منها ما لم يتخلص من نظام المحاصصة والتوزيعات غير الوطنية.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news