العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الجيوش ومتطلبات تحقيق الأمن السيبراني.. ملاحظات أساسية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٢ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

يتواصل الحديث عن أبرز القضايا التي تناولها مؤتمر التكنولوجيا العسكرية في الشرق الأوسط والذي آثار قضايا استراتيجية سوف تكون مثارًا لنقاشات على مدى سنوات قادمة لسبب مؤداه ارتباطها بمتغير مهم وهو التطور التكنولوجي الذي انعكس على عمل كل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات العسكرية التي يتعين عليها - كما أشرت لذلك في مقالات سابقة - إعادة النظر في طبيعة عقيدتها العسكرية بما يتلاءم وواقع ذلك التطور التكنولوجي.

ومع أن التطور التكنولوجي من شأنه الإسهام في تغيير نمط الحروب الحديثة والتي بلا شك ستكون أقل اعتمادًا على العتاد العسكري التقليدي فإنه في الوقت ذاته يرتب مخاطر جمة ليس أقلها الإرهاب السيبراني، صحيح أن العديد من جيوش العالم لا تزال تعمل وفقًا لشبكات اتصالات مؤمنة وتمكنت بالفعل من التصدي للهجمات الإلكترونية إلا أن إصرار الجماعات الإرهابية والدول المارقة على ممارسة ذلك الإرهاب قد حدا بوزارات الدفاع في عديد من دول العالم الكبرى لتأسيس ما يسمى «كتائب الردع الإلكتروني»، فالولايات المتحدة على سبيل المثال قامت بتضمين التصدي للإرهاب السيبراني ضمن عقيدتها العسكرية من خلال وضع آليات لمواجهة تلك التهديدات بالتعاون مع القطاع الخاص في هذا الشأن، ويتم تطوير تلك الآليات تزامنًا مع تطوير استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي والتي تصدر كل عدة سنوات، من ناحية ثانية قامت اليابان بتأسيس المركز الوطني للجاهزية الإلكترونية والذي يتبع مجلس الوزراء مباشرة، وكذلك المقر الاستراتيجي لتكنولوجيا المعلومات ويضم عددًا من الوزارات وهذه آلية مهمة حيث إن المرتكز الأساسي للتصدي لمثل هذه الهجمات هو كيفية حماية المعلومات ولن يكون بمقدور وزارة واحدة الاضطلاع بها بمفردها. 

ومع أهمية تلك الجهود وإجماع كل الرؤى على أنه ليس بالإمكان القضاء على مخاطر الإرهاب السيبراني بشكل كامل مهما كانت إمكانات وقدرات الدولة فإن التساؤل هو: كيف يمكن الحد من تلك المخاطر؟ في ظل أمرين مهمين الأول: تنامي المخاوف بشأن تهديدات الحروب اللامتماثلة وهو ما عكسته الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو في سبتمبر الماضي والتي استخدمت فيها الطائرات من دون طيار «الدرون» إذ تعمل وفق إحداثيات محددة وبيانات إلكترونية، والثاني: توظيف الجماعات الإرهابية للمواقع الإلكترونية من أجل بث خطابات عدائية والتشكيك في المؤسسات الوطنية في عديد من دول العالم، بل وتدخل دول في انتخابات دول أخرى بما يؤكد مخاطر هذا الإرهاب العابر للحدود.

وللإجابة عن ذلك التساؤل فإنه يجب العمل على محورين متوازيين، المحور الأول: هو المحور الوطني، إذ لا يكفي تأسيس مراكز وطنية لمواجهة الإرهاب الإلكتروني إذ يجب أن تكون مرتبطة بخطط الدفاع والأمن القومي، صحيح أن الشق المدني منها يعد مهمًا ولكن يجب أن تكون تلك الخطط جزءا من استراتيجية الأمن القومي للدول بما يعنيه ذلك من أنه يجب أن تكون هناك عدة وزارات منوطة بتنفيذ تلك الاستراتيجية تحت إشراف المؤسسة العسكرية، من ناحية ثانية ضرورة مواكبة استراتيجيات تحقيق الأمن الإلكتروني لطبيعة التهديدات الراهنة بمعنى أنه لا ينبغي الانتظار حتى تقع هجمات إلكترونية إذ إن ممارسة الردع الإلكتروني من خلال حماية الفضاء الإلكتروني من أي هجمات متوقعة تعد متطلبًا أساسيًا ضمن تلك المواجهة «استراتيجيات الدفاع المتقدم» أو «الدفاع الإلكتروني الاستباقي» وتكون تلك هي المهمة الأساسية للجيوش الإلكترونية التي بإمكانها اختراق المواقع الإلكترونية ويشتبه في أنها تستهدف شبكات المعلومات الخاصة بتلك الجيوش على أن يكون ذلك ضمن المعايير التي وضعتها الأمم المتحدة، من ناحية ثالثة أهمية التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ضمن خطط المواجهة المشار إليها.

وعلى المحور الدولي: ضرورة أن يحظى موضوع الردع الإلكتروني بأولوية ضمن الحوارات الاستراتيجية بين الدول لتحقيق الأمن الإلكتروني الذي يتطلب بناء جسور للفهم المشترك من أجل مواجهته، بالإضافة إلى إمكانية التفكير في تأسيس تحالفات دولية لمواجهة تهديدات الأمن الإلكتروني على غرار التحالفات العسكرية التي تم تأسيسها لمواجهة الإرهاب، فضلا عن أهمية تعزيز التعاون الدولي بشأن ضوابط استخدام التكنولوجيا الحديثة عمومًا لمنع وقوعها في أيدي الجماعات الإرهابية واستخدامها لتهديد الأمن القومي للدول وهو الأمر الذي من شأنه إيجاد ملامح معادلة جديدة للصراع وربما يتطلب الأمر تعزيز الحوار بين الدول وشركتي جوجل وفيس بوك التي بدأت بالفعل خلال السنوات الأخيرة في اتخاذ إجراءات منها حذف الحسابات الوهمية المسيئة وعدم بث مواد من شأنها إثارة قضايا العنصرية والتمييز.

وخليجيًا ومع أهمية جهود مواجهة تلك التهديدات من خلال تأسيس مراكز وطنية للأمن الإلكتروني إلا أنه يمكن لدول الخليج الاستفادة من تجارب الدول والمنظمات الأخرى في هذا الشأن وخاصة الدول التي لديها تجارب متميزة ومنها بريطانيا التي أعلنت عن تأسيس مركز وطني للتصدي للهجمات الإلكترونية عام 2017 والذي يتسم بميزتين أساسيتين الأولى: ارتباطه بشكل مباشر بوكالة الاستخبارات البريطانية، والثانية: أنه يعمل وفق أربع مراحل متكاملة وهي تحسين معايير الأمن السيبراني في الدولة، تحديد هوية ومصدر الهجوم ومن ثم تحديد طرق الرد عليه، إيلاء المزيد من الاهتمام بالأنظمة الرقمية ذات الأهمية سواء أكانت ضمن القطاع الحكومي أو الخاص، تقديم الدعم لمن تقع عليهم أضرار جراء تلك الهجمات السيبرانية وخاصة في قطاع البنوك، وكذلك فرنسا التي استطاعت تطوير عقيدتها العسكرية وفقًا لواقع تهديدات الأمن الإلكتروني بشكل متسارع، ففي أعقاب إعلان الجيش الفرنسي عن إحباط 24 ألف هجوم إلكتروني على وزارة الدفاع عام 2016 فقد تم إعلان تأسيس قيادة عسكرية للدفاع الإلكتروني عام 2017 بيد أنه مع تنامي مخاطر الإرهاب الإلكتروني فقد أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي في يناير من العام الحالي 2019 إمكانية القيام بضربات استباقية في هذا الشأن إذ قالت: «في حال تعرض قواتنا لهجوم إلكتروني فإننا نحتفظ بحق الرد ولكن سنكون مستعدين أيضًا لاستخدام السلاح الإلكتروني في العمليات الخارجية لأغراض هجومية، إما بمفرده أو لدعم وسائلنا التقليدية، من أجل مضاعفة تأثيرها في إطار الاحترام التام لمعايير القانون الدولي العام»، كما أن حلف شمال الأطلسي الناتو لديه استراتيجية للردع الإلكتروني تم الإعلان عنها في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها إستونيا عام 2007.

ومجمل القول إن التكنولوجيا العسكرية بقدر ما تتيح للجيوش تطوير عملها بشكل كبير فإنها في الوقت ذاته تفرض تحديات هائلة يتعين الانتباه لها والتعامل معها ضمن خطط واستراتيجيات الأمن القومي للدول.

 ‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news