العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

ألوان

الشيخ الأزهري محمد صالح خنجي وتأصيل التسامح في البحرين

الاثنين ٠٢ ديسمبر ٢٠١٩ - 02:00

  في محاضرة استثنائية من حيث عمق موضوعها والعدد الغفير والمتنوع الذي حضرها، قدم الدكتور نادر كاظم، في مجلس أمير بن رجب الثقافي بتاريخ 26 نوفمبر 2019، إطلالة واسعة على تجربة مثقف بحريني أزهري ارتبط اسمه بذاكرة الثقافة والتعليم الحديث في البحرين، ذلك هو الشيخ محمد صالح يوسف خنجي، وهو مثقف أزهري وُلد في عام 1880، وكان يتردد على منتدى الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة بالمحرق، وينهل من مكتبته منذ أواخر القرن التاسع عشر، ثم التحق بالدراسة في جامعة الأزهر في عام 1899/1900، وعاد إلى البحرين في عام 1902، أي إنه كان يدرس في الأزهر في الفترة التي عُيّن فيها الشيخ محمد عبده مفتيًا للديار المصرية، فقد عُيّن في عام 1899، وشرع فور تعيينه في تطبيق خطته لإصلاح الأزهر الشريف (كان قبل ذلك عضوًا في مجلس إدارة الأزهر الذي كان برئاسة الشيخ حسونة النواوي). 

وإذا كان صحيحًا أن بنود هذه الخطة الإصلاحية لم تطبّق بصورة كاملة، فإنه من المؤكد أن الشيخ محمد صالح استفاد من هذا الإصلاح، ومن تلك الأجواء الإصلاحية والمنفتحة التي كانت تهيمن على مصر في هذه السنوات، فقد صادف أن العام الذي التحق فيه الشيخ محمد صالح بالأزهر الشريف، وفي هذه الفترة كانت مصر مقرًّا لنخبة مثقفي النهضة الإصلاحية العربية آنذاك، من أمثال فرح أنطون وشبلي الشميل ورشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبي وآخرين. وعلى هذا، فقد عاد الشيخ محمد صالح من الدراسة الأزهرية بعقل منفتح على كل جديد، وبروح إصلاحية متوثبة، فانخرط في سلسلة من الأنشطة الثقافية والتعليمية المتواصلة، فأدار مدرسة أهلية في المحرق درس فيها عبدالله الزايد، كما أسس مع تسعة من رفاقه «نادي إقبال أوال الليلي» ومكتبته، وانتخب رئيسًا له، إلا أن النادي سرعان ما أغلق فاضطر إلى السفر للعمل في بومبي، وعاد ليكون كاتب الإدارة الخيرية للتعليم وهي اللجنة المكلفة بالإشراف وإدارة مدرسة الهداية الخليفية منذ عام 1919، ثم عُيّن في الثلاثينيات معاونًا لرئيس بلدية المحرق، إلا أنه التحق بسلك التعليم في أوائل الأربعينيات، وبقي فيه حتى وفاته في عام 1966، وعلى هذا يمكننا أن نقول إن هذا الأزهري المتنور كان قد نذر حياته من أجل التعليم والثقافة في البحرين على مدى أكثر من نصف قرن.

ومن خلال الوثائق والتحليل العميق، عرض نادر كاظم لمدى الشجاعة الفكرية التي كانت تميز خطاب الشيخ محمد صالح خنجي، وخاصة في واحدة من خطبه التي ألقاها في نادي إقبال أوال في عام 1913، فقد قدم الشيخ محمد صالح وعيًا مبكرًا بأكبر خطر يهدد التسامح بين الجماعات المتنوعة، وهو التعصب الديني المغلق والذي يجعل أصحابه يعتقدون، على نحو يقيني ومطلق وحاسم، أنهم هم وحدهم يمتلكون «الحقيقة المطلقة»، و«الدين الحق»، و«الفرقة الناجية»، وعلى «الصراط المستقيم»، وأن كل من عداهم مهرطقون وهالكون وسائرون إلى جهنم غير مأسوف عليهم. ومن هنا، فإن المهمة الأولى أمام أي مثقف مستنير في ذلك العصر هي تفكيك هذا «العقل اللاهوتي المغلق» ومواجهة هذا التعصب الديني الخطير. وهي المهمة التي اضطلع بها الشيخ محمد صالح بشجاعة منقطعة النظير في هذه الفترة المبكرة من عمر الثقافة الحديثة في البحرين.

وأشار نادر كاظم إلى أن الشيخ محمد صالح خنجي قدّم قراءة «حداثية» للدين والشريعة، وذلك قبل سنوات طويلة من ظهور أبرز أطروحات «القراءات الحداثية» للدين والنص الديني (عبدالكريم سروش، وفضل الرحمن مالك، وعبدالمجيد الشرفي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون وآخرين). فقد ميّز الشيخ في خطبته بين الدين والشريعة، وهو يرى أن «الأديان الحقة بأسرها متحدة في الغاية والمقصد والغرض»، أما الاختلاف فيما بينها فيكمن في «الأساليب المتنوعة التي تشرّع للإيصال إلى تلك الأغراض المتحدة والمطالب المتفقة». ويطلق على هذه الغاية اسم الدين، وعلى الأساليب المتنوعة اسم الشريعة، فإن الدين، في جوهره، واحد، فيما الشرائع متنوعة. والوظيفة الأساسية للدين وظيفة روحية وأخلاقية وتتصل «بتطهير الأخلاق وتهذيب الأنفس وتزكية الأرواح»، في حين أن الشرائع تؤدي وظائف دنيوية وتتعلق «بسياسة البشر في أحوالهم المدنية وشؤونهم الجنائية والسياسية». والدين بهذه الصفة مسألة روحية وقلبية وأخلاقية، وهو واحد وثابت لا يتغيّر في كل الديانات؛ لأنه الغاية المقصودة لذاتها، في حين أن الشرائع بوصفها أساليب لتحقيق تلك الغاية عبر «صور العبادات وأنواع الرياضات والنظامات والقوانين والقواعد»، فإنها تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والظروف وأحوال الاجتماع والعمران وطبيعة الإنسان، بل إن «الشريعة تتغيّر أدوارها في أدوار النبي الواحد، وفي أدوار أمته». والشريعة بما هي كذلك ينبغي أن تكون «مؤسسة على القاعدة الكلية الشرعية وهي درء المفاسد وجلب المصالح». أما المعنيون بتقرير هذه المصالح فلا ينحصرون برجال الدين، بل يفتح الشيخ محمد صالح مفهوم «طاعة أولي الأمر»، مستندًا على رأي رشيد رضا، على طائفة واسعة من أهل الاختصاص والخبرة والمعرفة، وهم «العلماء، والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجارة والصناعة والزراعة، وكذا رؤساء العمال والأحزاب، ومديرو الجرائد المحترمة، ورؤساء تحريرها».

يمضي الشيخ محمد صالح، بحسب نادر كاظم، قُدُمًا بشجاعة منقطعة النظير ليحدد الدين في بعده الروحي والأخلاقي في ثلاثة أصول لا غير، وهي: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح. وهي الأصول الثلاثة التي تشير إليها الآية القرآنية الكريمة: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (البقرة/62). ويؤسّس على هذا الفهم قناعته بأن «نجاة البشر وسعادتهم» إنما ترتبط بهذه الأصول الثلاثة، و«حيثما وجدت في أي زمان من الأزمنة، وأي مكان من الأمكنة، ومجموعة في أي ملة من الملل، وأي طائفة من الطوائف، فهنالك السعادة، وهنالك الأخلاق الفاضلة التي عليها مدار الأمم وارتقاؤها». ولا عبرة هنا باختلاف الديانات، فالمسلم واليهودي والمسيحي وغيرهم من أبناء الديانات الأخرى ممن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، فكل هؤلاء تشملهم السعادة والنجاة. أما الإسلام فإن الشيخ محمد صالح يذهب في تأويله إلى أن المقصود بالاسم هو معناه الحرفي أي «الدخول في السلم الذي هو مسالمة المؤمنين». وهو ما يسمح للشيخ بالاستنتاج بأن الإسلام، أي كدين مسالمة المؤمنين، هو «دين جميع الأنبياء والمرسلين»، وهو «الدين العام لجميع أمم المستقبل».

ومما يدل على أن الشيخ محمد صالح كان يتبنى هذه الأفكار الإصلاحية عن قناعة وتأصيل، أنه أعاد التذكير بها بعد مرور تسع سنوات على هذه الخطبة. فحين زار أمين الريحاني البحرين، وجرى تكريمه في النادي الأدبي بالمحرق في عام 1922 قام الشيخ محمد صالح وقال مخاطبًا الريحاني: «إن الأديان الحنيفة روحها واحد، وإنما تختلف الشرائع التي تتضمن أحكام المرافعات وفصل الخصومات، فالأديان بروحها ومغزاها تدعو للاجتماع والاتحاد، والشرقيون كلهم عائلة واحدة، وخلاصهم وسعادتهم في أن يسود النظام بينهم والوفاق والتضامن». نحن هنا أمام الأفكار ذاتها، أي التمييز بين الدين والشرائع، وتلك الروح الإنسانية المحبة للوفاق والتضامن والسلم والمسالمة بين البشر.

ثم عرج نادر كاظم إلى قراءة التشابه بين هذه الأفكار المستنيرة وفكر التسامح الذي ميّز عصر التنوير الأوروبي منذ القرن السابع عشر مع «رسالة في التسامح» (1689) لجون لوك، و«رسالة في التسامح» (1763) لفولتير، وميّز الفكر العربي الإصلاحي في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أي في الفترة التي كان الشيخ محمد صالح يتلقى تعليمه في الأزهر الشريف. والمقارنة السريعة بين خطبة الشيخ محمد صالح ورسالتي «التسامح» لجون لوك وفولتير تكشف حجم التشابه بينها. يفتتح جون لوك رسالته بالتشديد على أهمية التسامح بين المسيحيين وبين «البشرية بمن فيهم من غير المسيحيين»، ويقدم نقدًا قاسيًا لنشاطات التبشير التي ترمي إلى «إجبار الناس على اعتناق آراء معينة، والانتماء إلى عبادات وطقوس معينة بغض النظر عن الجانب الأخلاقي». وهو يميّز بين الدين كإيمان داخلي وما سواه من عبادات برانية وطقوس وسياسات وأساليب عقابية وقهر. إن وظيفة الدين الحق، كما يقول، هي «تنظيم حياة البشر استنادًا إلى قواعد الفضيلة والتقوى»، كما أن غاية الدين تتجسد في الخلاص الروحي. وعلى هذا فإن الديانات تتساوى في جوهرها، الأمر الذي يحتم ضرورة «التسامح بين أولئك الذين يعتقدون عقائد مختلفة في أمور الدين»، وأن هذا التسامح «يتسق مع العهد الجديد الذي أتى به السيد المسيح، كما يتماشى مع مقتضيات العقل الإنساني الحق». 

من الصعب، كما يقول نادر كاظم، أن يكون الشيخ محمد صالح قد تأثر في تأصيله للتسامح بأفكار جمال الدين الأفغاني الذي لم يكن يرى في التسامح سوى أنه واجهة استعمارية براقة تخفي وراءها «قصدًا معينًا هو النيل من وحدة الأمة». ولا يبدو أنه استقى هذا التسامح من فكر الشيخ محمد عبده على الرغم من انفتاح الشيخ الإمام واعتداله وتأصيله للتسامح في الإسلام بمنطق دفاعي لا يخلو من الهجوم على الديانات الأخرى مثل النصرانية. وهذا أمر جلي في السجالات التي دارت بين الشيخ محمد عبده والمسيو هانوتو، وزير خارجية فرنسا آنذاك، وبينه وبين فرح أنطون، صاحب مجلة «الجامعة». لا يتردّد الشيخ محمد عبده في التأكيد على «سماحة» الشريعة الإسلامية التي كانت «تسع العالم بأسره»، وذلك «أيام كان الإسلام إسلامًا»، كما لا يتردد في القول بأن التسامح (ومودة المخالفين في العقيدة كما يسميه) أصل من أصول الإسلام، وهو الأصل الذي يكتسب صلابته من حقيقة أساسية وهي أن «الدين معاملة بين العبد وربه»، أي أن الدين علاقة قلبية وخاصة بين الإنسان وربه، وما في القلب لا يعلمه إلا الله، ولا يحاسب عليه إلا هو، وليس من حق أحد من المخلوقين أن يحاسب أحدًا على ما في القلب من عقيدة. لكن التأمل في أفكار رائد تنويري آخر انخرط مع الشيخ محمد عبده في سجال رفيع المستوى حول قضايا التسامح والدولة والأديان وحرية الاعتقاد، نقصد بذلك فرح أنطون، يكشف مدى التقارب بين أفكار فرح أنطون عن التسامح (أو التساهل كما كان يسميه) وتأصيل الشيخ محمد صالح للتسامح ووحدة الأديان. لقد دار ذلك السجال على صفحات مجلة فرح أنطون، مجلة «الجامعة»، في الوقت الذي كان الشيخ محمد صالح يدرس في الأزهر الشريف، وهو السجال الذي نشره فرح أنطون مع كتابه «فلسفة ابن رشد» في عام 1903.

قد يكون الشيخ محمد صالح استمد أفكاره التسامحية حول وحدة الأديان من التصوف الإسلامي الذي بلغ ذروة اكتماله مع الشيخ الأكبر ابن عربي (1165-1240) الذي كان يرى أن الأديان صور مختلفة لحقيقة واحدة، وأن كل الطرق تؤدي إلى الله، وأن الحق لا ينحصر في عقيدة دون أخرى. ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى التشابه الكبير بين أفكار الشيخ محمد صالح وتصور فرح أنطون عن الدين. وبالنسبة إلى فرح أنطون فإن الدولة الحديثة ينبغي أن تتأسس على ضرورة الفصل بين الدولة (السلطة المدنية) والدين (السلطة الدينية)، وهذا لا يتحقق إلا بتأسيس الدولة على التسامح، وعلى احترام الاعتقادات المختلفة؛ وذلك لأن الأديان في جوهرها واحدة، وغاية جميع الأديان واحدة وهي الخلاص الروحي والفضيلة (تهذيب الأخلاق). وعلى هذا «تصير الأديان كلها طرقًا للفضيلة والصلاح والوئام». كما أن «طبائع الأديان كلها منزهة عن الشر وداعية إلى الخير، وكلها تستمد من الله لإصلاح شأن البشر»، أما غرض الأديان في الأرض فهو «تعليم الناس عبادة الله تعالى، وحثهم على الفضائل وإصلاح شؤونهم». وهذا غرض ثابت لا يتغيّر، لكن أحوال الناس تتغيّر بتغير الزمان والمكان والمقتضيات، الأمر الذي يحتم تغيّر الترتيبات والسياسات والقوانين التي يسميها فرح أنطون «السلطة المدنية» أي الدولة، ويسميها الشيخ محمد صالح «الشريعة».

أما المفاجأة فهو حجم التقارب بين أفكار الشيخ محمد صالح خنجي وتصور إمانويل كانط عن الدين. فقد ميّز كانط، قبل الشيخ محمد صالح بأكثر من قرن أي في عام 1793 عندما صدر كتابه «الدين في حدود مجرد العقل»، بين الدين الأخلاقي أو العقلي المحض، والمعتقدات الطقوسية والشعائرية، ورأى أن الدين العقلي والأخلاقي هو الدين الكوني والمجرد من أي إضافات تتصل بالأحكام والشريعة والطقوس والشعائر. إن الدين الأخلاقي المحض دين كوني لكل العالم ويتأسس على «الواجب الأخلاقي» وحده، وهو واجب مجرد من الإكراه، لأنه لا يقع إلا «تحت قوانين الفضيلة بمجردها»، في حين تكون المعتقدات الأخرى معتقدات تاريخية ومحلية وتخص شعبًا معينًا في زمن ومكان معينين. وعلى هذا فنحن أمام نوعين من الإيمان: الأول إيمان عقلي وأخلاقي محض وكوني وصالح لكل زمان ومكان، وهو ما يسميه الشيخ محمد صالح بـ«الدين العام» لجميع الأنبياء والمرسلين ولجميع الأمم في الماضي والمستقبل، والإيمان الثاني إيمان تاريخي ومحلي وخاضع «تحت ظروف الزمان والمكان»، وهو ما يسميه الشيخ محمد صالح بالشريعة التي تتعدد وتتغير بتغير الزمان والمكان والظروف وأحوال العمران.

يتجاوز التشابه بين أفكار الاثنين هذا المستوى، فكانط كان يرى أن الإيمان العقلي المحض هو وحده الذي يستحق أن نسميه «الدين»، أما ضروب الإيمان التاريخي فيسميها «معتقدات». وبالنسبة إلى كانط فإن الأصل الذي يتأسس عليه الدين هو أصل أخلاقي غرضه «التحسين الخلقي للإنسان»، فهذه هي الغاية الأساسية لكل دين عقلي. وبما أن كل دين عقلي غرضه أخلاقي محض فإن كل الأديان هي في الأصل دين واحد، لأن الدين العقلي المحض لا يسمح بـ«أن نفكر إلا في إله واحد، وبالتالي أيضًا، إلا في دين واحد، هو يكون خلقيًا محضًا». وبتعبير آخر فإنه «لا يوجد إلا دين حق واحد، إلا أنه يمكن أن يكون ثمة ضروب كثيرة من المعتقدات».

بالنسبة إلى كانط أيضًا، فإن الدين العقلي المحض يتأسس على الأخلاق، وهذه لا تتأسس على شيء سوى حريتنا أو إرادتنا الحرة كبشر في التوافق مع الواجب الأخلاقي أو الانحراف عنه، بمعنى أن ما يجعلنا خيرين أو شريرين ليس طبيعتنا الخيرة أو الشريرة (بالرغم من اعتراف كانط بأن هناك نزوعًا واستعدادًا طبيعيين للشر والخير في الإنسان)، بل إرادتنا الحرة في أن نفعل الخير أو الشر. والحقيقة أن التسامح ينطوي في جوهره على اعتراف أكيد بالإرادة الحرة وحرية الاختيار التي يمتلكها كل إنسان، وعلى هذا يكون التعصب هو محاولة لمصادرة هذه الإرادة من البشر. وفي الكتب المقدسة تأصيل لذلك على نحو صريح أو ضمني. فهناك آيات في القرآن الكريم تتكرر بأكثر من صيغة لتشدد على معنى أساسي واحد وهو امتناع إرادة الله سبحانه وتعالى عن توحيد الناس في أمة واحدة: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (هود/118)، و«وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً» (المائدة/48)، و«وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً» (النحل/93). والعارفون بالنحو العربي يعرفون جيدًا أن «لو» هي حرف «امتناع لامتناع» أو «انتفاء لانتفاء» أي امتناع جواب الشرط لامتناع فعل الشرط، وهنا يكون المعنى كالتالي: امتنع جعل الناس أمة واحدة لامتناع إرادة الله عن ذلك، وعلى هذا يكون التعصب الساعي إلى توحيد البشر كلهم وجعلهم أمة واحدة تدين بدين أو اعتقاد أو آيديولوجيا أو توجه واحد، يكون هذا النوع من التعصب بمثابة اجتراء آثم على إرادة الله. وفي تأويل آية «لا إكراه في الدين» (البقرة/256)، يذكر الفخر الرازي رأي المعتزلة القائل إن «الله تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار»؛ أي إن الدين هو غير القابل للقهر والقسر والإكراه والإجبار، أي إنه الإيمان القلبي لأنه وحده غير القابل للإكراه، فلو كان الإيمان القلبي قابلاً للإكراه لسقط الغرض من الامتحان والابتلاء واستحقاق العقاب أو الثواب، وهذا «ينافي التكليف»، ولهذا امتنعت إرادة الله عن ذلك: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس/99).

وليس من الصعب أن يستنتج أحدنا من هذه الآية، كما يشير الفخر الرازي، أن الإيمان المقصود هنا هو الإيمان بالقلب، وهذا لا سبيل لأحد على إكراه أحد عليه أو قهره إلا الله؛ لأن «القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى»، والله سبحانه وتعالى ما أراد ذلك، وانتفاء إرادة الله عن ذلك يفسح المجال أمام حرية إرادة الإنسان في الاختيار. وهو الأصل الذي ينبني عليه التسامح بما هو احترام لحرية الإنسان وإرادته الحرة. ويرى كانط أن إرادة الإنسان الخيرة حين تتوافق مع الواجب الأخلاقي المطلق فإنها تكون تجسيدًا لإرادة الله الخيرة، وهي عمل بقانون الله المكتوب في القلب والروح، وكانط يفهم هذه الآيات من الإنجيل بهذا التأويل: «إن ملكوت الله يوجد في داخلكم» (إنجيل لوقا 22:17)، و«ليس كل من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل الذين يفعلون إرادة الرب» – (إنجيل متى 21:7).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news