العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عشرات التلاميذ إخوة في الرضاع

يتباهى جيلنا بأنه أفضل تعليما من جيل شباب اليوم، بل يعاير جيلنا جيل الشباب بأن عودهم ضعيف وطري بدليل أنهم يشكون من الواجبات المدرسية اليومية رغم أنهم يحلون مسائل الرياضيات باستخدام الآلات الحاسبة وإذا استعصى عليهم أمر أكاديمي استعانوا بمستر غوغل الذي يزعم أن لديه لكل سؤال جوابا، بينما كنا في المدارس مطالبين بتعاطي مناهج صعبة ومركبة بدون أي معينات، ونتعرض لعقوبات صارمة إذا قصرنا في أمر الدراسة، ثم نزعم ان تلك العقوبات هي التي جعلتنا جيلا «مميزا».

شخصيا تلقيت تعليمي مثل جميع أبناء وبنات جيلي في عصر كان فيه شعار المدرسين وأولياء الأمور هو «العلم يرفعهم والضرب ينفعهم»، وأؤكد في هذا الصدد أن الضرب الذي أصابني في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة لم ينفعني في شيء، بل جعلني شديد النفور من مادة الرياضيات، وكانت على أيامنا اسمها «الحساب»، وارتبط اسمها في عقولنا بالمحاسبة والعقاب، وكان جدول الضرب -كما شكوت كثيرا في مقالاتي هنا- هو الاختراع الذي أعطى المدرسين ذريعة لضربنا كما الإبل الشاردة، وفي مرحلة لاحقة كانت تهجئة الكلمات الإنجليزية هي الذريعة لتعريضنا للضرب.

ثم عملت مدرسا وضبطت نفسي أكثر من مرة وأنا أمد يدي على طلابي بالضرب، وكان ذلك في تقديري من باب التأثر بالأساليب التعليمية التي نشأت في ظلها، وربما كان «فشة خلق»، ولكن يشهد الله أنه لم يحدث قط أن عاقبت طالبا لأنه لم يستوعب دروسه، أو لأنه متبلد الذهن، أو يخطئ في الإجابة عن الأسئلة، أي كنت أعاقب فقط على سوء السلوك، ثم توقفت نهائيا عن اللجوء إلى العقاب البدني بعد أن اكتشفت أن مصادقة الطلاب أجدى وأنفع لأعصاب الطرفين من أن تقوم العلاقة على الخوف من طرف الطالب والتسلط من طرف المعلم، وحتى الطلاب الذين يأتون بسلوك سيئ يمكن ردعهم بالعتاب القاسي أو النصح السديد.

للمدرسين أساليب كثيرة لمعاقبة الطلاب ولكن تلك المدرّسة الزيمبابوية التي تناقلت الصحف طريقتها في عقاب التلاميذ، تستحق «براءة الاختراع»، ومن المؤكد أن طريقتها أكثر قبولا من طريقة المدرّسة المغربية التي قالت الصحف قبل نحو عامين إنها ألقت بتلميذ صغير عبر نافذة الطابق الثاني من المدرسة، أو زميلتها التي كوت أيدي التلاميذ بالنار، فالمدرسة الزيمبابوية، (ويخيل إليّ أنها من فصيلة رئيس بلادها السابق روبرت موغابي الذي كان يستأجر البلطجية لمعاقبة خصومه، والذي يتمتع بملامح «تقطع الخميرة» كما نقول عن الشخص بشع الملامح)، هذه المُدرّسة، كما اتضح عقب التحقيق معها، كانت تعاقب تلاميذها بالجملة، فأخف عقوبة هي 100 جلدة، ولكنها كانت حنونة ورقيقة وتعطي التلاميذ خيار الخضوع لتلك العقوبة أو «رضع اللبن»، نعم هكذا قالت وكالات الأنباء، وقال معظم التلاميذ إنهم كانوا (بداهة) يفضلون الرضاعة من المعلمة على تلقي الضربات المائة، وتخيل أن ابنتك عادت من المدرسة ووضعت أمامها طعام الغداء، فقالت: شكرا ما أقدر آكل.. اتغديت حليب طازج في المدرسة، وبعد سين وجيم تعرف أنها رضعت من ثدي المعلمة!! كيف تتصرف؟ تكتب إلى وزارة التربية لتقول لها إن البنت فُطمت قبل سبع أو عشر سنوات؟ تقول إن ابنتك لا تتعاطى إلا اللبن المبستر؟.. وتخيل مشهد غرفة دراسة تجلس في مقدمتها معلمة وهي تحمل تلميذا في العاشرة يرضع من ثديها؟ من الواضح أن تلك المدرسة كانت تستمتع بإرضاع التلاميذ وإلا لما تركتهم يختارون بين 100 جلدة والرضاعة! فما من عاقل يقبل بذلك العدد المهول من الضربات.

والشاهد في أمر المعلمين البلطجية هو أن كثيرين في الدول النامية يختارون «التدريس» (وهي مهنة طاردة ومحبطة)، وهم يفتقرون إلى أخلاق المهنة، وفي الدول العربية قد لا يتعرض التلاميذ للعقاب الجسماني ولكنهم يتعرضون للجلد الممعن في القسوة بألسنة بعض المدرسين: تعال يا حمار.. اسكت يا ثور.. اجلس يا بغل!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news