العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

الثقافي

وهج الكتابة: شاعر البؤساء

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٣٠ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

تميلُ بقدِّكِ خمرُ الدلالْ

فيضحكُ في مَيله الاعتدالْ

وفيكِ ارتقى الحُسنُ عرشَ الجلالْ

ومنه العقولُ غَدت في عِقالْ

في سَاحاتِ الشعرِ يحدثُ ان يتنافسُ شاعران أو اكثر على امارةِ الشعر. ففي بدايةِ القرن العشرين تنافس شاعران كبيران في العراق هما معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي. ويقولون - والعبرة على الراوي- ان الزهاوي هو من بدأ هذا الخصام مع الرصافي. كانت معاركٌ تطايرت معها الأغبرة وشهدت الكرَّ والفرَّ كانت ساحاتها الصحف والمجالس الأدبية، بل وصلت إلى درجة مقاطعة بعضهما البعض وتصالحا فترة ثم عادا للصراع مرة اخرى. والمثير ان كلا منهما انضم اليه عدد من الشعراء وبدأ التراشق بالأبيات وكتابة المقالات مما أسهم في سخونة الساحة آنذاك والتي خفّت حدّتها قبل وفاة الزهاوي بقليل عام 1936. والجميل ان الرصافي توجّه إلى قبر غريمه باكيًا حزنًا على فراقه، وهذا قلب الشاعر الأصيل. هكذا كان الرصافي رقيق القلب انساني الروح والسجية. مرةً شاهد الرصافي امرأة ً تحملُ صحنًا من (الجينكو) متوجهةً إلى دكان في السوق وطلبتْ من صاحبه أن يعطيها بضعة قروش كثمن لهذا الصحن، لكن صاحب الدكان همس في اذنها فانصرفت المرأةُ البائسة حزينةـ ففهم الرصافي من الموقف أنه رفض أن يشتريه منها. هذا المنظر هزّ قلب الرصافي وخاصةً عندما علم انها ارملة لديها يتيمين وهم جياع. واسرع باللحاق بها واعطاها كل ما في جيبه وكان اثنا عشر قرشًا. لم ينم الرصافي في تلك الليلة وبدأ يبكي بحرقة وكتب قصيدة (الأرملة المرضعة) التي تعد من روائع الشعر العربي:

لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا

تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا

أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ

وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا

بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا

وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا

مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا

فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا......

هكذا يكون الشاعر الحقيقي الأصيل. يضع قلبه على كفِّه وعلى الكف الآخر ضمير انساني حي ونقي، ومن لا يحمل هذا القلب لا يمكن أن يكون شاعرًا. كان الرصافي شامخ الإباء ويعتز بكرامته. يقول بعض المؤرخين إن الرصافي انتقد الملك فيصل الأول والبلاط الملكي في احدى قصائده فطلب منه الملك الحضور وعاتبه ولم يعتذر الرصافي عما كتب وغادر البلاط غاضبًا.

ولد الرصافي في الرصافة ببغداد عام 1875. ولذلك سمي بمعروف الرصافي، من أب كردي وأم تركمانية. كان شاعرا ثائرًا معارضًا للتواجد الإنجليزي في بلاده، لا يرضى بالظلم ويدافع عن البؤساء ومعذبي الأرض لذلك سمي «شاعر البؤساء» وايضًا «شاعر القومية العربية».

له قصيدة كأنه كتبها في وضع العراق اليوم: 

هذا هو الوطنُ الجميلُ مسالخ ٌ

ومدافن ٌ وخرائب ٌ ومزابل ُ

سحقًا لكم يا من عمائِمكم كما

بـِزّاتكم، شكل ٌ بليدٌ باطل ُ

سحقًا كَفى حِزبية ً ممقوتة ً

رَاحت تـُمايز دينـَها وتفاضلُ

ويقفُ تمثالُ الرصافي شاهقًا في بغداد في الساحةِ المُقابلة لجسر الشهداء تمجيدًا لذكرى شاعر العراق الكبير الذي شغل الدنيا بشعره وكتاباته ورحل في عام 1945.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news