العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

شرق و غرب

عــوامـل الـنــفـوذ الإيـرانــي فــي المنــطــقـة العربـيـة

الجمعة ٢٩ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

بقلم: آلان فراشون

لم يسبق أن كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرفوضة ومنبوذة في الدول العربية التي تفرض عليها هيمنتها بهذا الشكل الذي نشهده اليوم في خضم المظاهرات والاحتجاجات التي تجتاح منذ عدة أسابيع كلا من العراق ولبنان. فقد أصبحت الدولة الثيوقراطية التي أرسى دعائمها الخميني منذ الثمانينيات تواجه بالرفض من خلال الشعارات التي ترفع في وجهها في كل من العراق ولبنان – وحتى سوريا.

في تلك الأثناء، تعاني إيران من هشاشة داخلية متزايدة تفاقمت جراء العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على نظام طهران. هكذا أصبح النظام الثيوقراطي في طهران يواجه تحديات داخلية كبيرة ورفضا إقليميا متصاعدا، وخاصة في المناطق العربية التي تدخلت فيها بشكل كبير. 

رفع المتظاهرون في العراق على مدى الاحتجاجات الشعبية التي بدأت قبل قرابة شهرين شعارات تطالب إيران بالخروج وتعبر عن رفضها لاستمرار الوجود الإيراني على أراضي هذين البلدين. ولم يختلف الأمر مع المتظاهرين اللبنانيين. 

كان بعض كبار المسؤولين الإيرانيين إلى وقت غير بعيد يفتخرون بأن بلادهم باتت تسيطر على أربع عواصم عربية وأن نفوذ الجمهورية الإيرانية الثيوقراطية بات يمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، غير أن الرياح قد تكون بدأت تهب بما لا يشتهي نظام طهران. 

ظل نظام طهران يعتمد على الأجنحة المحلية الموالية في بعض الدول العربية كي يتمدد إقليميا ويوسع نطاق هيمنته في المنطقة العربية عبر إقامة طريق شيعية سريعة تمتد من طهران إلى بيروت، مرورا ببغداد ودمشق. بعد كل ذلك التمدد أصبحت الجمهورية الإسلامية تواجه الأصوات التي تطالبها بالخروج.

سيقول المؤرخون في معرض تحليلهم للتطورات الجارية في المنطقة إن ما يحدث اليوم يمثل انتكاسة حتمية للدبلوماسية الإيرانية التي يعتبرها البعض دبلوماسية توسعية وامبريالية تسعى للهيمنة على المنطقة. ظلت الجمهورية الإسلامية منذ نشأتها سنة 1979-1980 تعلن أنها ترفع لواء الشيعة في العالم وتسعى لتصدير ثورتها الخمينية وتعمل على تقوية روابطها مع الأقليات الشيعية في الدول العربية المجاورة خدمة لمشروعها على المدى الطويل. عقب الأحداث التي هزت المنطقة العربية منذ سنة 2011 سارعت إيران الى التدخل في العراق وسوريا. وقعت سلطات طهران اتفاقيات عسكرية ودفاعية مع الأقلية العلوية بقيادة بشار الأسد الذي يتولى مقاليد الرئاسة في دمشق، وأدت هذه السياسات والتدخلات الإيرانية إلى تأجيج الصراعات التاريخية ما بين العرب والفرس.

ظلت إيران تعتبر أنها دفعت ضريبة الدولة بسبب الحرب التي خاضتها ما بين 1980 و1988 ضد العراق بقيادة نظام صدام حسين «المدعوم من الغرب» غير أن الغزو العسكري الأمريكي الذي استهدف العراق سنة 2003 قد خدم مصالح إيران في المنطقة وخلصها من نظام صدام حسين وأتاح وصول الشيعة العرب إلى الحكم في بغداد. استفادت إيران أيضا من الأذرع الموالية لها في العراق والمتمثلة في الأحزاب والمليشيات الخاضعة بشكل كامل لنظام طهران الذي يحمل أجندة خاصة به.

في خضم الحروب التي شهدها لبنان، وخاصة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني في الفترة ما بين 1982 و2000 عمدت إيران إلى زرع تنظيم حزب الله ودعمه بالمال والسلاح حتى تحول اليوم إلى مليشيا في صلب الدولة اللبنانية وقوة مهيمنة على الساحة السياسية في بيروت. تستعين إيران أيضا بعشرات الآلاف من مسلحي المليشيات الموالية لطهران، وذلك من أجل التغلغل في العراق وإحكام السيطرة على مفاصل الدولة. دفعت إيران أيضا بمقاتلي مليشيا حزب الله اللبناني إلى سوريا للوقوف إلى جانب القوات الموالية لنظام بشار الأسد. في سوريا تكبد الإيرانيون ومليشيا حزب الله مئات القتلى، إن لم يكن الآلاف. 

أسهمت إيران أيضا في تعميق الانقسامات داخل البيت الفلسطيني من خلال دعمها لتنظيم حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة. أحداث وتطورات صبت في مصلحة إيران منذ الغزو العسكري الأمريكي للعراق سنة 2003. أصبحت طهران بذلك تتدخل في العراق وسوريا ولبنان وتمارس ما يمكن أن نسميه حق النقض (الفيتو) في هذه البلدان العربية التي عززت فيها نفوذها بشكل غير مسبوق. 

أصبح السؤال: «من يتولى الحكم؟» يتردد من بغداد إلى بيروت ودمشق. لعل أهم ما أظهرته حركة الاحتجاجات التي اجتاحت العراق غياب التضامن الشيعي التلقائي مع نظام طهران، حيث إن المظاهرات قد شملت أيضا المناطق الشيعية في جنوب العراق، بما في ذلك مدينة البصرة، بل إن المدن والأحياء الشيعية هي التي كانت الأكثر تعبئة ضد الحكومة العراقية والنفوذ الإيراني.

السيناريو نفسه تكرر أيضا في لبنان الذي وجد نفسه يتخبط في أزمة سياسية واقتصادية خانقة. فقد خرج الشيعة أيضا بأعداد كبيرة من أجل التنديد بنظام سياسي ينخره الفساد وقلة الكفاءة كما يسيطر عليه حزب الله الموالي لطهران، أما في سوريا فإن القوى الخارجية التي تساند نظام بشار الأسد – روسيا، تركيا وإيران – تتظاهر بالصداقة غير أنه لكل واحدة منها أجندتها الخاصة في سوريا والمنطقة. 

روسيا تعارض إيران التي تعزز وجودها العسكري في شرق سوريا بدعوى فتح «جبهة ثانية ضد إسرائيل» على أساس أن الجبهة الأولى توجد في جنوب لبنان. وتخشى موسكو أن تؤدي أي مواجهة ما بين إيران ومليشيا حزب الله من ناحية وإسرائيل من ناحية إلى تقويض نجاحاتها ومكاسبها الاستراتيجية في سوريا. 

تعتبر تركيا نفسها أنها واحدة من قادة العالم الإسلامي، فقد دفعت بقواتها لاحتلال شمال شرق سوريا وهي تحمل بدورها أجندة مناقضة للنفوذ الإيراني. تتبنى إيران خطاب «المقاومة والقتال» من أجل تبرير استثمارها في المنطقة العربية. كيف يمكن تبرير ترسانة الصواريخ التي يمتلكها حزب الله والدعم الكبير الذي تقدمه إيران للمليشيا في العراق الموالية لها والقواعد العسكرية التي أقامها نظام طهران في سوريا؟ إن إيران ترفع شعار «المقاومة» من أجل تبرير كل ذلك. 

إن شعارات «المقاومة» و«محور المقاومة» و«الممانعة» كانت نفس العبارات التي سوقت لها إيران والتي استقطبت جزءا من الرأي العام العربي. في الحقيقة فإن سوريا المدمرة في حاجة اليوم إلى رؤوس الأموال – التي لا تملكها لا إيران ولا روسيا – أكثر من حاجتها الى القواعد التي أنشأها نظام طهران أو لفيالق الحرس الثوري الإيراني. 

تسعى إيران في المقابل للحفاظ على مناطق النفوذ التي كسبتها في المنطقة العربية وهي تعتبر أنها تفعل ذلك أيضا، ذلك لأن تلك الإيديولوجية تعتبر من أدوات طهران لتوسيع نفوذها في المنطقة العربية، كما يعتبر نظام طهران أيضا أن الحفاظ على مناطق النفوذ والسعي للتحول إلى قوة إقليمية يمثلان الطريق الوحيدة لضمان بقاء النواة المتشددة التي تسيطر على السلطة في طهران، لكن إلى متى سيظل المتشددون يسيطرون على الحكم في طهران؟ 

لوموند

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news