العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

بذور الديمقراطية تتفتح في تونس

ربما المخاض الذي ستدخله عملية تشكيل الحكومة التونسية الجديدة سيكون أكثر عسرا من المخاض الذي مرت به عملية اختيار رئيس البرلمان التونسي بعد نجاح الانتخابات التشريعية الأخيرة وحصول حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي على أكبر عدد من المقاعد «52 مقعدا من أصل 217 عدد مقاعد مجلس النواب» إذ آلت رئاسة البرلمان إلى هذه الحركة بعد تحالفها مع حزب «قلب تونس» الذي يترأسه المرشح الرئاسي السابق في انتخابات الإعادة نبيل القروي وهو الحزب الذي حاز على المرتبة الثانية من حيث عدد المقاعد البرلمانية «38 مقعدا»، فيما رفضت الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها التيار الديمقراطي «22 مقعدا» التصويت لمرشح «النهضة» راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان. 

المفاجأة فيما يتعلق بمشاورات تشكيل الحكومة التونسية الجديدة، والتي قد تؤجل ولادتها في الميعاد المحدد لها دستوريا (شهران)، أن رئيس البرلمان، زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، أبلغ المكلف بتشكيلها الحبيب الجملي أن حركته، أي «النهضة» ترفض المشاركة في حكومة يشارك فيها حزب «قلب تونس»، وهو الموقف نفسه الذي أعلن عنه عدد من الأحزاب التونسية فيما يتعلق بمشاركة «قلب تونس»، هذه المواقف سوف تضع المزيد من العراقيل أمام تشكيل الحكومة وخاصة أن حزب «قلب تونس» مصرٌّ على هذه المشاركة باعتباره القوة البرلمانية الثانية من حيث عدد أعضاء البرلمان، بحسب ما جاء على لسان زعيم الحزب نبيل القروي. 

من المعروف أن حركة «النهضة» هي من رشحت الحبيب الجملي لرئاسة تشكيل الحكومة الجديدة، وهو بالمناسبة لا ينتمي إلى الحركة ولا إلى أي حزبٍ من الأحزاب السياسية التونسية، وإن كان مدعوما من حركة «النهضة» إلا أنه عبَّر عن تطلعه لتشكيل حكومة تضم الأحزاب التونسية الرئيسية مؤكدا حرصه على الوحدة الوطنية وبالتالي إنجاح التجربة التونسية الفريدة، لكن الأمنيات شيء والواقع السياسي الذي تفرزه التجربة التونسية شيء آخر، إذ الصراع السياسي بين جميع الأحزاب ينطلق من حرص كل حزب على صون موقعه السياسي على المسرح الوطني.

فقرار «حركة النهضة» عدم المشاركة في حكومة تضم من بين أعضائها حزب «قلب تونس» صاحب المرتبة الثانية في التمثيل البرلماني وخاصة بعدما عاد يعرف بـ«تحالف تشكيل البرلمان» (النهضة وقلب تونس)، الذي صعد براشد الغنوشي إلى قيادته، هذا القرار سوف يعقِّد من مهمة هذه الحركة الإسلامية أكثر من تسهيلها، فإن كانت «النهضة» تعتقد أن معارضة دخول «قلب تونس» الذي تتهمه «النهضة» ومعها عدد من الأحزاب بـ«الفساد» إلى التشكيل الحكومي الجديد، سوف يمهد الطريق أمام رئاستها لهذه الحكومة، فإنها تخطئ في هذا الحساب، ذلك أن الأحزاب الأخرى ذات الوزن البرلماني التي تشاطر النهضة موقفها من «قلب تونس» وضعت اشتراطاتها ومنها على سبيل المثال مطالب «التيار الديمقراطي» بترؤس عدد من الوزارات السيادية، وهو الشرط الذي ترفضه «النهضة» حتى الآن.

بات في حكم المؤكد تقريبا أن من شأن هذه المواقف المتباينة، أن تعقِّد من مهمة رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي تشكيل فريقه الوزاري قبل انتهاء المهلة الدستورية المحدّدة بشهرين، لكن النتائج السلبية لمثل هذه التعقيدات ستقع أكثر على عاتق «النهضة» أكثر من غيرها من الأحزاب، فإما أن تقبل بالشروط التي وضعتها بعض الأحزاب مثل «التيار الديمقراطي» فيما يتعلق بالوزارات السيادية، وإما أن تلجأ إلى خيارها «البرلماني» السابق، أي تعود مرة أخرى إلى حزب «قلب تونس»، الأمر الذي من شأنه أن يكلف حركة «النهضة» ثمنا سياسيا كبيرا، وخاصة بعد الفيتو الذي وضعته بالنسبة إلى دخول هذا الحزب التشكيل الوزاري الذي تسعى إليه برئاسة مرشحها للحكومة.

لكن، حتى الآن يبقى هذا الجدل والمشادات السياسية التي تشهدها الساحة التونسية، استحقاقا من استحقاقات الخيار السياسي الذي قبل به الشعب التونسي، فهذا الجدل والحراك هو سمة من سمات العملية الديمقراطية، وليس من شأن ذلك أن يؤثر سلبا على هذه التجربة، التي تنفرد بها تونس في الوقت الراهن، بل على العكس من ذلك فإن من شأن مثل هذه الممارسة الحضارية، وخاصة إذا التزم الجميع بالمبادئ الدستورية والقانونية، أن تغني هذه التجربة وتعزز من ممارساتها، الأمر الذي يصب في نهاية المطاف في صالح الشعب التونسي بجميع فئاته وتكويناته السياسية والاجتماعية.

قد يكون هناك ما يكفي من مبررات لمخاوف بعض الأحزاب السياسية التونسية، العلمانية والليبرالية منها بالدرجة الأولى، من أن تمارس حركة «النهضة» تسلطا فكريا وآيديولوجية بحكم سيطرتها على البرلمان والأغلبية المتوقعة في الحكومة، وبالتالي فإن تبديد هذه المخاوف تقع بالدرجة الأولى على حركة «النهضة» ذاتها من خلال الممارسة الفعلية للعمل السياسي في الإطار الديمقراطي الذي يجب أن يكون سقفا للجميع، بغض النظر عن النسب البرلمانية وغيرها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news