العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

العراقيون يكتبون فصلا مضيئا

تدخل الاحتجاجات الدموية في العراق شهرها الثاني من دون أن تلوح في الأفق أي مؤشرات على قرب توقفها أو تراجعها، بل على العكس من ذلك فإن موجات الاحتجاجات في تصاعد متواصل واتساع رقعتها مع تزايد أعداد المحتجين والمناطق التي تدخل في هذه الموجات، ورغم كل هذه المؤشرات فإن الحكومة العراقية لا تزال تعتقد بإمكانية احتواء هذا الغضب الشعبي العارم بإطلاق الوعود الرنانة من دون أدنى اقتراب من التعامل بجدية مع أهم المطالب والتي يمكن وصفها بالشرارة التي أطلقت هذه الاحتجاجات، ألا وهي آفة الفساد التي تنخر في الاقتصاد العراقي منذ الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على أثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

هناك عوامل كثيرة، جلها داخلية، تلعب دورا مؤثرا ومباشرا في استمرار الاحتجاجات وتصاعدها، في مقدمة هذه العوامل حالة اليأس التي وصل إليها السواد الأعظم من أبناء الشعب العراقي من إمكانية إحداث تغيير إيجابي في إدارة عجلة الدولة العراقية بعيدا عن نظام المحاصصات الطائفية الذي دمر العراق وأهدر ثرواته الطبيعية وترسخ القناعة لدى مختلف شرائح المجتمع العراقي بعدم أهلية الطبقة السياسية الحاكمة وقدرتها على معالجة هذه الأوضاع باعتبار أن هذه الطبقة هي جزء من منظومة الفساد التي نشأت بعد عملية الهندسة الأمريكية لتركيبة النظام السياسي في العراق ما بعد الغزو.

فإذا كانت آفة الفساد وارتفاع نسبة الفقر في المجتمع العراقي شكلت الشرارة التي أشعلت هذه الاحتجاجات، فإن سفك دماء مئات العراقيين المدنيين فاقم من هذه الأوضاع وأعطى شحنة من التحدي لدى المحتجين وإصرارا على مواصلة احتجاجاتهم حتى تحقيق مطالبهم المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الاستفادة من ثروات بلدهم الهائلة والتي تلتهمها آفة الفساد المستشري في مختلف أجهزة الدولة، إلى جانب حقهم في تحصين بلدهم من كافة أشكال التدخلات الخارجية التي سلبت الإرادة العراقية وأضعفت من قدرة العراقيين على بناء دولة مستقلة قوية قادرة على اتخاذ قراراتها الوطنية بعيدا عن أي شكل من أشكال الوصاية والتدخل الخارجي.

فالأوضاع التي يمر بها العراق في الوقت الراهن والتطور الذي تسير به الاحتجاجات واتساع نطاقها، ودخول قوى مؤثرة على خط تأييد هذه الاحتجاجات، مثل المرجعية الدينية وقوى سياسية أخرى، يساهم في تقوية مواقف المحتجين ويدفعهم أكثر نحو التمسك والإصرار على مطالبهم، وفي نفس الوقت من شأن مثل هذه التطورات أن تضع الطبقة السياسية الحاكمة والأحزاب المؤيدة لها في خانة المواجهة مع قطاع عريض وواسع من أبناء الشعب العراقي.

هذه الأوضاع مرشحة للاستمرار والتطور وليس في الأفق ما يشير إلى إمكانية انحسار الاحتجاجات أو تنازل المحتجين عن مطالبهم المشروعة الأساسية، وتخطئ الطبقة السياسية التي تقود العراق «الجديد» إذا ما اعتقدت أنها بإطلاق الوعود وتطييب الخواطر يمكن أن تحدث تصدعا في جدار الاحتجاجات أو تليين عزيمة المحتجين على مواصلة المشوار الذي بدؤوه لما يقارب الشهرين، بل على العكس من ذلك فإن هذه الأوضاع حبلى بتطورات تصب في مصلحة الشعب العراقي بجميع فئاته وطوائفه.

ما يجعل شرائح واسعة من المجتمع العراقي متفائلة بالنتائج التي ستفرزها تطورات الأحداث في الفترة القادمة، أن هذه الاحتجاجات تحمل لونا وطنيا واحدا يمثل جميع ألوان الطيف العراقي بحيث لا تستطيع أي قوة أو طرف من الأطراف أن توصم هذا الحراك الجماهيري بالطائفية أو العرقية أو غير ذلك من النعوت التي تستهدف تشويه صورته الوطنية الجامعة، فجميع المطالب التي يرفعها المحتجون إنما تصب في صالح جميع فئات المجتمع العراقي، أضف إلى ذلك، الأضرار التي تسببت فيها آفة الفساد الاقتصادي والسياسي تتضرر منها مختلف هذه الفئات بغض النظر عن انتماءاتها العرقية أو الدينية والمذهبية.

بكل تأكيد فإن العراق مقبل على فتح صفحة جديدة في تاريخ ما بعد الغزو الأمريكي الذي تسبب في أضرار، يحتاج العراق إلى سنوات طويلة وصعبة أيضا لمعالجتها، لكن إرادة العراقيين وقدرتهم تؤهلهم لأن ينجزوا هذه المهمة الوطنية المقدسة، فالشعب العراقي بتاريخه الحافل بالمواقف الوطنية وما يختزنه من طاقات خلاقة في كافة الميادين لا يمكن أن يبقى أطول مما مضى من وقت بعد الغزو، حبيس نظام المحاصصة الطائفية وما رسمتها الهندسة السياسية الأمريكية من خرائط خبيثة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن الأوضاع التي وصل إليها العراق حتى الآن، فالمستقبل بكل تأكيد يصب في صالح أبناء الشعب العراقي، وهذه التضحيات التي قدموها حتى الآن لن تذهب هباء.

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news