العدد : ١٥٢٣٩ - الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٩ - الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

قراءة في مسيرة عميد الأدب العربي طه حسين

بقلم: محيي الدين بهلول

الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

قبل كل شيء من هو طه حسين؟ ولد طه حسين في مغاغة بصعيد مصر عام 1889, وقد فقد بصره وهو في الثالثة من عمره، وبعد حوالي سنتين ذهب إلى الكتاب في القرية ليحفظ القرآن الكريم, وبعد ان إجازة العريف انتقل من قريته إلى القاهرة في عام 1902, إذ ان أخاه الأكبر كان من تلاميذ الأزهر، ويستطيع ان يتولى رعايته والإشراف عليه، انضم طه حسين الى حلقات الدرس على أساتذته الأوائل منهم الشيخ سيد المرصفى والشيخ محمد عبده واستمر تلميذا في الأزهر حتى عام 1912, وعندما ترك الأزهر التحق بالجامعة الأهلية، وحصل على الدكتوراه في مايو1914, عن رسالة في ذكرى أبي العلاء، ثم سافر إلى باريس عام 1913, للدراسة ولكنه عاد بسبب الحرب ثم رجع إليها ثانية عام 1916, وبعد 3 سنوات حصل على الدكتوراه في فلسفة ابن خلدون الاجتماعية من (جامعة مونبلييه) وفي نفس العام عين أستاذا بالجامعة المصرية. حقًا ان هذا الكاتب فذ اتسع ذكاؤه وطموحاته في الحياة لا حدود لها، ولا يمكن لمقالة في أي صحف ان توفي حقه، ان الاتساع في حق هذا الرجل من الضروري ان يكون ذا صلة مباشرة بما قدمه للإنسان العربي والمصري, واستطاع ان يأخذ مكانه بين كبار كتاب العالم، لم تكن حياته فقط ثقافية أو علمية، بل كان وطنيًا وله اتصالات كثيرة بالتيارات العسكرية والسياسية المختلفة في زمانه وعصره مثلاً بلطفي السيد وحزب الأمة والشيخ جاويش واللواء والعلم، الذي انشأ مجلته الشهرية (الهداية) وولي طه حسين سكرتارية تحريرها واشرف عليها تقريبًا، ويقال فيه وهذه حقيقة مطلقة، ان طه حسين لا يعيش الا يعلم ويتعلم وتدور حياته كلها حول هذا المحور السامي الأساسي في حياة الشعوب وفوق هذا وذاك كان يتمايل ليأتي الى كلية الأدب بما تملكه جعبته ليدرس أبناءه الطلبة ولو ساعة في الأسبوع. في عام 1942 عين مستشارًا فنيًا لوزارة المعارف ومديرًا لجامعة الإسكندرية معًا إلى ان أحيل الى التقاعد في عام 1944م. بعد خمس سنوات عاد الى وزارة المعارف للمرة الأخيرة وزيرًا، فكان من مآثره ان قرر ان مجانية التعليم ضرورة للناس ضرورة الماء والهواء، في عام 1931 إلى 1933 عين طه حسين عميدًا لكلية الآداب، وأسس جريدة الشعب لحزبه وطلب منه رئيس الوزارة صدقي باشا ان يكون رئيسًا لتحرير هذه الجريدة (جريدة الشعب) ولكن طه حسين رفض ولذلك حاربه (صدقي) وعزله من منصبه ونقله إلى وزارة المعارف، لكن الطلاب اضربوا وخرجوا في مظاهرة ضخمة إلى بيت طه حسين، وحملوه إلى الجامعة على الأكتاف. وفي عام 1915 سافر إلى باريس وهناك تعرف على زميلة له في العام نفسه وفي جامعة (مونيليه) بدأت تساعده وتقرأ له، وأعجب بها وأعجبت به فاتفقا على الزواج الذي تم في أغسطس عام 1917. وقد أنجب هذا الزواج ثمرتين، هما مؤنس طه حسين، وأمينة طه حسين، لقد كان طه حسين دائمًا يقف مع التفكير المصري المتحرر، وكان في هذا واسع التفكير الذي آمن به. وكتب سنه 1911 سلسلة من المقالات يدعو فيها إلى هذا الرأي، اذ يقول (لا فرق بين المرأة والرجل في الحرية وكلاهما مأمور بمكارم الأخلاق)، ثم يستطرد قائلاً: (ولها أي المرأة ان تفعل ما تشاء في غير إثم ولا لغو، لها ان تطرح النقاب وترفع الحجاب، وليس عليها الا ان تقدم بما أخذت به من الواجب لنفسها وزوجها والنوع الإنساني كافة، هذا هو حكم الإسلام وهو رأينا الذي لا تحيد عنه، ولا تعدل به رأيا آخر). حتى تكتمل القصة لا بد من سرد هذه الواقعة في حياة طه حسين عميد الأدب العربي. في عام 1932 تم إنشاء حزب الأحرار (الدستوريين) من بين أعضاء حزب الأمة القديم، وانضم طه حسين إلى هذا الحزب واشترك في صحيفة (السياسة) التي كان يرأس رئيس تحريرها احد كبار المثقفين في حزب الأحرار الدستوريين، بل وفي مصر كلها، وهو الدكتور محمد حسين هيكل قريب لطفي السيد وتلميذه وكان طه حسين في ذلك الحين مدرسًا في كلية الآداب بالجامعة المصرية، ووقف طه حسين في هذه الفترة بعنف وقسوة ضد الوفد وضد سعد زعلول، ولاشك ان هذا الموقف من جانب طه حسين كان موقفًا خاطئًا فالوفد في ذلك الحين كان آخر الأحزاب المصرية ثورية وقربًا من الشعب بينما كان الأحرار الدستوريون بعيدين عن الشعب ومصالحه فهم مجموعة من الأعيان والإقطاعيين.. ان الحرية لدى طه حسين هي حرية واقعية، ليست مجرد تحليق في فراغ، ان الحرية عنده هي جوهر الفكر والفن والعلم والأدب والحياة جميعًا، ان الحرية عنده أيضًا هي الخبز والثقافة وهي كذلك الهواء والنور والجمال، انها ليست غاية في ذاتها بل هي وسيلة إلى أغراض أرقى منها وأبقى واشمل فائدة واهم نفعًا. وإذا ما تحدثنا أو كتبنا عن هذا الكاتب الفذ فاننا نحتاج إلى مجلدات حتى نوفيه حقه: فقد اجتمعت في شخصيته صورة عصره من العناء والجهاد، وحتى اليوم لم يجتمع لكاتب أو أديب أو مفكر في عصرنا الحديث مثل حياة طه حسين الأزهرية، ومثل هذه البيئة الريفية المحافظة، ولقد كان مع البسطاء والفقراء والباعة المتجولين وطلبة العلم وصغار التجار وأصحاب الدكاكين. ومسك الختام سيظل طه حسين في ذاكرة كل الوطن العربي فقد كان في أدبه يدير الأحداث والشخصيات والأفكار الاجتماعية والسياسية والوطنية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news