العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

شهوة الإبادة

هذا هو العمى السياسي بعينه، وفائض من ثقافة الكراهية، لجيوش وعصابات تتلذذ بإزهاق الأرواح، وتدمير البلاد، وتشريد العباد..

فائض غريب عجيب لا ينام في تابوت، لنشيعه في جنازة، ثم نهيل عليه التراب، مما دفع بهؤلاء القتلة السفاحين، أن يعيدوا قتلنا من جديد، فائض من الأرامل واليتامى والثواكل يبكون موتاهم على تخوم المقابر ليل نهار، كملاذ آمن لاذوا به من القصف الهمجي في مدنهم وقراهم، لكن شهوة الإبادة غالبة، فتقصفهم الطائرات فجأة، لتخلط لحومهم وأشلاءهم ودماءهم بالعظام والرميم، وتعيد قتل الموتى في مقابرهم من جديد.. 

ما من مفاضلة بين جيوش تتلذذ بالدم، وبين سواعد أطفال يقارعونها بالحجارة، أو مقاومة بنيران تداعب جدران المدفأة، وما من تبرير لهدم منازل المدنيين فوق رؤوسهم براجمات الصواريخ وقذائف المدفعية، فيموت الأطفال، وتنتشل العجائز، وتدفن الصبايا بقايا أشلاء، وتختفي الأمهات والآباء فرادى وجماعات تحت الركام، ولا أحد ينصت لشكواك، ولا أحد ينصف موتاك، ولا أحد يعوضك دارك التي اندثرت وتبخرت في لمح البصر، ولا بهيمتك التي نفقت، ولا حقولك التي حان حصادها، ولا محصولك الذي جنيته وصار نهبا للمجرمين الفسقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. 

لاعقل يستوعب أن المجازر تنبت منها سنابل القمح، وأن المحن تستولد الزهور، وأن الحرائق عابرة لحقول الذرة، وأن الدمار الواسع وجهة نظر، وأن التهجير مجرد نزهة، وما من كلام في السلام، يشبع بطنا من جوع، ولا نفسا هالعة تلوذ بالأمان، ولا مؤتمرات تتفيهق علينا بمحاربة الإرهاب، ثم تملأ فضاء الأدمغة بسخافة أن بيوت الله وكر للإرهاب، والمآذن غرف للعمليات أو مخازن للأسلحة، والمشافي مرمى للقناصين، والمدارس تفرخ الإرهاب..

هذا هو حالنا اليوم كما ترون أيها الفضلاء الكرام، نموذج قابل للتعميم والتجربة، في مواجهة محتل أضفى مزيدا من القوة، وغاز يعتبر نفسه من أقوى جيوش العالم، ونحن تحت أقدامه نعيش حالة من الضعف والهوان، والانكسار، ولا أحد من قريب أو بعيد يواسيك، أو يمسح دمعتك، أو يجبر خاطرك، فتتكرس لديك حالة طوعية من الاستسلام المذل، وقبول الواقع المهين كخيار استراتيجي لا مفر منه، لكنه في واقع الأمر بات كارثة كبيرة، ووضعا خطيرا، وحالة مؤلمة، وهما كبيرا، لم تمر به أمة الإسلام عبر مجدها التليد..

في محاولة منها لتبرير المذابح اليومية التي ترتكبها جيوش الغزاة وعصابات الموت في سوريا والعراق ولبنان ـ وما أكثرها من جيوش عديمة الرحمة ـ مازلت أتذكر منها بعض الدعاوى الزائفة حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما أتذكر شواهد الأحداث المؤسفة حين تكتوي منها الضلوع، لكنها بحاجة إلى لملمة جبهتها الداخلية بعد التصدعات التي بدأت تصيبها نتيجة الضربات التي وجهتها لها العديد من جبهات المقاومة، فأصبحت حرب الإبادة الشاملة التي تشنها علينا دون وجه حق، تؤكد فجاجة الأسطورة العسكرية للمحتل الغازي الذي لم يتعلم الدرس بعد من هزائمه وانكساراته في الشيشان وأفغانستان.. 

هذه النظرية العاجزة عن ستر الإرهاب العالمي على بلاد المسلمين، كشفت أسطورة آلة الحرب للغزاة على حقيقتها الوقحة، لتثبت أن شهوة الإبادة جبانة لا تتقن إلا التدمير والتخريب، والعطش لدماء الأطفال والنساء والمدنيين العزل، وعلى الرغم من ترسانتهم الهائلة، لم تحقق شيئا من تلك الأهداف، الذين مكثوا من أجلها سنوات لترويجها في بلاد المسلمين، فتراكم عليهم الإحباط، وأصابهم التصلب، ودفعهم اليأس لارتكاب المزيد من المجازر، وحسبنا الله ونعم الوكيل. 

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news