العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

مقالات

«والله نستطيع».. الاستثمار بتعليم الأطفال لمستقبل أفضل في تونس

بقلم: باميلا كسرواني

الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

حاورت باميلا كسرواني مؤسس جمعية «والله نستطيع» التونسية، لطفي بن حمادي ليُحدثها بالتفاصيل عن أسباب إطلاق هذه الجمعية التي تؤمن أن زرع بذور الثقافة اليوم يُعطي ثماره غدا.

«والله نستطيع» هي قصة مؤسسة غير حكومية أخرى في تونس تُعنى بالتعليم وشؤون الأطفال. هي قصة مؤسسة تُريد أن تكون مختلفة بفضل المقاربة التي تعتمدها ألا وهي عدم تقديم حلول قصيرة الأمد لا بل قد يطول أو يصعب لمس نتائجها اليوم؛ أمرٌ يجعل من عملها واستدامتها صعباً جداً.

إلا أن هذه الميزة هي التي أرادها مؤسسها؛ هذا الشاب الذي لا يأتي من خلفية مهنية «مُعتادة» في مجال العمل الإنساني. فهذا الشاب الذي ولِد في قرية كِسرة شمال غرب تونس وهاجر وعاش في ضواحي باريس، ترك صفوف الدراسة باكرا ليعمل في النوادي الليلية والمطاعم والحانات. وعندما انطلقت الثورة التونسية، قرر لطفي الذي كان حينها يعيش في كندا العودة إلى الوطن. 

ويخبرنا: «أنا من عائلة متواضعة وعندما بدأت أعمل في مجال النوادي الليلية، بدأت أجني الكثير من المال ما أشعرني بالخوف. انضممت إلى جمعيات عدة لأنني أردت أن أبقى واقعياً. فأنا كنت انتقلت من شقة صغيرة في الأحياء الشعبية إلى أخرى في أحد أغنى أحياء باريس». هذا الالتزام الذي بدأ كتصرف أناني تحوّل مع الوقت إلى نهج إنساني يضع مصلحة المجتمع أولاً. 

فعندما وصل لطفي إلى تونس، اعتقد أن الحل كان سياسياً، وأنه بفضل الالتزام السياسي يمكن ترسيخ الديمقراطية. إلا أنه سرعان ما وجد أن المشكلة أعمق بكثير وهي اجتماعية. وهنا يقول «ثقافتنا لا تضمن بيئة تعليم جيدة للأطفال لا بل ان العنف اليومي هو من يصنع شباباً مُحبطين».  

وهكذا قرر أن العمل الحقيقي هو في تطوير وتحسين حياة الأطفال على المدى الطويل، فأطلق «والله وي كان» («والله نستطيع» بالعربية) التي تعتبر العمل الإنساني استثمارا بالإنسان. وهنا يشرح لنا لُطفي أن تونس تختلف عن هايتي أو بنغلادش بحيث أنها لا تشهد كارثة طبيعية سنوياً ما يجعل سكانها يرزحون تحت الفقر وغالباً ما يحتاجون إلى مساعدات فورية بعد كل كارثة. ويضيف «في تونس، يجب أن نجد حلولاً اقتصادية وبيئية مستدامة. فلا نحتاج إلى نشاطات إنسانية، حيث نجمع الأموال لحاجات آنية فحسب لا بل أن نُطلق مشاريع متوسطة وطويلة الأمد». ولهذا السبب، قرر الاستثمار بالطفولة مُطلقاً في البداية في عدد من المشاريع قبل أن يُضطر إلى التوقف وإعادة الهيكلة والتركيز على بعض منها، ولا سيما أن ما يقدّمه يحتاج إلى بذل مجهود اليوم من أجل حصد النتائج بعد عدد من السنوات في بلد لم يعتد على ذلك. 

وتركّز «والله نستطيع» اليوم على مشروع انطلق قبل أربع سنوات ألا وهو تحسين أوضاع مدرسة داخلية تضم 400 تلميذ في منطقة مكتر شمال شرق البلاد. وتريد الجمعية تحويل هذه المؤسسة المدرسية إلى مؤسسة اجتماعية تحقق الاكتفاء الذاتي للطاقة والطعام ليكبر الأطفال في بيئة تركّز على ثقافة تنظيم المشاريع والثقافة البيئية حيث توفر المدرسة نوادي عدة مثل نادي لريادة الأعمال وآخر للبيئة وآخر للروبوتات.. أي تعتمد المدرسة على التجارب أكثر منه على الكتب.

هذه التغييرات تجري على قدم وساق في مدرسة مكتر حيث تطمح «والله نستطيع» الى تطبيق النموذج في أكثر من 300 مدرسة داخلية في مختلف المناطق التونسية.

وفي مكتر، تركّز المؤسسة على تطوير واختبار مشاريعها الأولية حيث طوّرت أيضاً منصة التعليم الإلكتروني من أجل دمقرطة الدعم الدراسي، على حد قول لطفي بن حمادي. كيف ذلك؟ بفضل استحداث صالات للتعليم الالكتروني في المدارس مع حواسيب مستعملة توفّر للطلاب- الذين يعجزون عن تحمّل أعباء دروس خاصة- دروساً في الرياضيات والعلوم والفرنسية والإنجليزية والعربية.

ويرى لطفي أن الأهم، مهما كانت المقاربة التي تعتمدها أن «نسمح للأطفال بالنمو محمّلين بجعبة فكرية وثقافية تعلّمهم الانفتاح اللازم ليكونوا مفيدين للبلد لاحقاً». وعلى الرغم من أن تونس تخصص، بحسب لطفي، جزءاً كبيراً من ميزانيتها لوزارة التربية، فإن 90% منها تعود إلى جدول الرواتب؛ رواتب معلمين ومعلمات، غالبيتهم اختارت هذه المهنة بحثاً عن وظيفة ثابتة لا حباً في المشاركة وتعليم الأجيال. إلا أن لطفي يرى أن الحل لا يحتاج إلى الكثير من الأموال ضارباً مثلا بمدرسة مكتر الداخلية. «في الشتاء، الجو بارد جدا وفي الصيف حار جدا. عوضا عن تركيب مكيفات وتدفئة، عملنا على طريقة عزل المبنى أي اعتمدنا حلاً أكثر اقتصادا وبيئياً واستدامة».

مثال صغير عن حلول كثيرة تُطبّقها وتسعى لتطبيقها «والله نستطيع» رغم غياب مساعدة من الأهل والمعلمين أو حتى الدولة. سبب هذا الإصرار؟ «لم يُحَقق شيئا في العالم بفضل أغلبية من المقتنعين لا بل بفضل إصرار أقلية نجحت في إحداث فرق ما»، على حد قول لطفي الذي يأبى إلا المثابرة.  حتى أنه يريد إعادة إطلاق مشاريع أخرى كان علّق العمل بها مثل مركز للأطفال المعرضين للخطر، ولاسيما العنف الجسدي والجنسي والعمل على بناء مدرسة الغد، أي مدرسة مبنية بمواد صديقة للبيئة بأسلوب مختلف عن مدارس اليوم التي هي أشبه بحظائر كما يقول. 

ويبقى الأهم بالنسبة إلى لطفي بن حمادي أن يُدرك الجميع أن بناء جيل الغد الناشط والفعّال ليس أمراً سهلاً لا بل «يحتاج إلى الكثير من الوقت والصبر والمرونة»؛ صفات يتحلّى بها ويعمل على ترسيخها لاستدامة «والله نستطيع».

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news