العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

بريد القراء

مُسلم علماني!! مُسلم شيوعي!! مُسلم ليبرالي !!

الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

الإسلام ليس شيئا مستقلا عن السياسة لكي يتم إبعاده عنها أو إقحامه فيها.. فالإسلام مهيمن على الحياة بكل ما فيها، جاء لضبطها وإخضاعها لشرع الله وإصلاحها لحياة الإنسان. لهذا فصّل الإسلام علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بربه.. لهذا فالإسلام مهيمن على السياسة والاقتصاد والأدب والفن والعلم والمجتمع والعبادات والمعاملات وكل ما يأتي في بالك وما لا يأتي.

هل كل مسلم هو فقيه في الدين الإسلامي؟ لا ليس شرطاً على الإطلاق، فمثلا تجد أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة ومحامين ورجال دين.. وبالتالي فهم مدنيون أكثر من العلمانيين أنفسهم! كما أنهم ليسوا فقط عربا؛ مثال روجيه غارودي المفكر الفرنسي ومؤسس مركز الدراسات والبحوث الماركسية الذي اعتنق الإسلام، وستيفن ديمتري جورجيو شاعر ومغنّ بريطاني مسلم، داني بلوم لاعب نادي نورنبرغ الألماني، والأمريكي المسلم مالكوم إكس، إنغريد ماتسون وهي أول مسلمة تصلي في البيت الأبيض، والعديد من الرموز المسلمة المشرفة على مستوى العالم العربي والأوروبي.

أود طرح سؤال على مدعي الحرية منتقدي دينهم الإسلامي مستندين بذلك على مبادئ ومعتقدات ملحدي العالم رغبة منهم في تقليد مساوئ الغرب ليس إلا.. ما هو تعريفكم للدين أصلا؟ أليست كل المعتقدات أدياناً؟

ما الذي يجعل الإسلام من حيث التعريف الشكلي مختلفا عن البوذية أو الهندوسية أو البهائية أو الوثنية أو المجوسية أو الماركسية أو الليبرالية؟ كل هذه معتقدات لها أتباع يؤمنون بها ويظنون أنها أفضل النظم لتسيير الحياة؟!

ولو قلتم لي إن الأديان يؤمن أتباعها بأنها نزلت من السماء، فأنا أقول لكم إن من ليسوا أتباعها لا يؤمنون بأنها كذلك!

مثلا: الماركسي الملحد يؤمن أن الإسلام هو اختراع وبالتالي السؤال هو: لماذا يريد إدخال ماركسيته في السياسة وهي من وضع ماركس، ولا يريد إدخال الإسلام في السياسة؟.. ما الفارق؟

فإن قلتم لي إن أتباع الأديان يتعصبون لأديانهم، لقلت لكم: وأيضا أصحاب المذاهب والفلسفات والنظريات يتعصبون لها، وبسبب النازية والشيوعية والليبرالية دخل العالم حربين عالميتين مات فيهما أكثر من 150 مليون إنسان، وبسبب الصراع بين الشيوعية والليبرالية فقد العالم في القرن الماضي أكثر من ربع مليار إنسان!

فأيهما أوجب بالفصل عن الحياة العامة: الشيوعية والليبرالية أم الأديان؟

وألم يفصل الغرب النازية عن الحياة العامة بسبب كوارثها على أوروبا والعالم في الحرب العالمية الثانية؟.. فلماذا لا نفصل نحن شيوعيتهم وليبراليتهم عن الحياة ونحن نعلم كوارثهما؟!

وتوضيحاً أعمق لمفهوم الشيوعية والليبرالية اللذين أعتبرهما وجهين لعملة العلمانية؛ نجد أن الحضارة الغربية حضارة مادية علمانية مبنية على نظرية داروين الإلحادية.. وقد انقسمت هذه العلمانية إلى تيارين رئيسيين: الشيوعية في روسيا وشرق أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والليبرالية في باقي دول أوروبا وأمريكا.

الشيوعية تُعظِم من شأن الدولة ومسؤوليتها عن تقسيم الثروة وفَرض ما تراه في مصلحة رعاياها، وكانت مبنية على الإلحاد الصريح ومحاربة جميع الأديان، وتطبيقها الاقتصادي هو الاشتراكية. بينما الليبرالية رأت أن حرية الفرد هي الأصلح للمجتمع والدولة؛ فتم تقليص سلطات الدولة وتدخلها في حياة الأفراد، وهي وإن كانت لا تُحارب تدين الأفراد فهي أيضاً لا تُحارب الفساد والفحش بل تعتبرهما تجارة رائجة يتم تسويقها إعلامياً وترعاها الدولة في الدعارة المقننة، كما أن الليبرالية ترفض وجود أي مرجع ديني أو أخلاقي في الحياة السياسية باعتبار أن هذا ضد الحرية الفردية ويعتبر تمييزاً ضد الأقليات الدينية والعرقية.. والتطبيق الاقتصادي للليبرالية هو الرأسمالية.

والحقيقة أن الليبرالية بدورها تشعبت إلى العديد من الأفكار والنظريات، فمن ينتمون إليها يخرجون علينا كل يوم بمذاهب وفلسفات فكرية شتى، كالعبثية والوجودية والبنيوية والحداثة وما بعد الحداثة.. لكن الرابط الثابت والوحيد بين كل هذه الأفكار والفلسفات سواء كانت تابعة للشيوعية أو الليبرالية هو المادية وتهميش الأديان وازدراء الأخلاق وتغليب المصالح المادية على أي اعتبار آخر، واتخاذ العالم المحسوس مقياساً وحيداً لإدراك الغاية وتحديد الوسيلة، وتعتبر نظرية داروين منبعاً لكل هذه النظريات على اختلافها . 

ولكن ما لا شك فيه هو نجاح تلك الأنظمة في بناء أسس وقواعد راسخة لدى هذه المجتمعات وتأثر حياة الأفراد بها وتأثرها بهم حتى أصبح التعاطي بين الفرد والمجتمع والنظام شجرة مثمرة ودورة حياة يستفيد كل منهم بدور الآخر فيها. 

ورغم طبيعة تلك الأنماط فإنها لم تستطع طمس الهوية الدينية لدى العديد من الفئات لن نقول الأغلبية، إلا أن الثابت هو الحفاظ على إطار ملتزم دينياً وأخلاقياً وإنسانياً.

وإذا نظرنا بعين ثاقبة أكثر نجد أن السعي نحو مستقبل أفضل هو المدار الذي تدور حوله كل الأفلاك ونجد من ينجح في اللحاق بالمسيرة ونجد من يفشل في دورة حياة طبيعية متشابهة بين جميع المجتمعات أياً كان المكان والعصر من دون الدخول في طبيعة نظام أو حقبة سياسية أو نظام.

وأنت كشاب عربي عليك ألا تستقي من تجارب الغرب إلا ما يفيدك وما يعنيك، ما يجعلك تسبق الى الأمام تتطور تنضج، ما يتواءم مع تراثك وحضارتك وثقافتك وتعاليمك الدينية.

فيما مضى في عصور الظلام الأوروبية وقبل عصر النهضة كنت أنت وحضارتك وعلومك وتعاليمك شعاع النور الذي أضاء العالم والشمس التي أنارت الكون بتوهجها وإشعاعها المنير، كنت مَهد العلوم والتحضر واستقى منك العالم أجمع نبتة المعرفة، أخذوا منك ما أفادهم وما طورهم.. اللبنة الأولى الصالحة لتصبح الأساس والركيزة لما هم عليه الآن.

وتركوا كل شيء لا يصلح لطبيعتهم أو ثقافتهم.. تركوا ما كان سيسبب لهم العناء أو أي سلبية ما، ربما كان ذلك الشيء طبيعيا وصحيا في مجتمعنا لكن بالنسبة إليهم لم يكن بالأمر الصحيح أو المُجدي في مجتمعهم.

الأمر كذلك عزيزي العربي ينطبق عليك الآن عندما تنظر الى حضارة الغرب بانبهار وإعجاب، صحيح هم أناس رائعون ومُتقدمون ومُتحضرون ويسبقوننا في أشياء عظيمة، ولكن ليست كل الأشياء الصالحة في مجتمع صالحة للجميع.. يتطلب الأمر فلترة وتنقية كبيرة فيما يصْلح ويحقق المنفعة وفيما هو مظاهر كاذبة وأنماط خداعة تلبس وجهة التحضر لكنها بعيدة كل البعد عن الواقع الذي نعيش فيه ولا يمكنها أن تُطَوِر مثقال ذرة في مجتمع له تراثه وحضارته وعاداته وتقاليده التي وهبته الاستمرار والبقاء ولا يمكنه التخلي عنها أو إزاحتها.

عذراً عزيزي العربي.. لا يوجد ما يُسمى مسلماً علمانياً أو مسلماً ليبرالياً أو مسلماً شيوعياً؛ كل منهم نموذج معرفي مختلف تماماً عن الآخر ولا يمكن أن يجتمعوا.

شيرين فريد

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news