العدد : ١٥٢٣٥ - الاثنين ٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٥ - الاثنين ٠٩ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التصعيد في غزة.. الدوافع ودلالات التوقيت

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

«عندما تكون قويا، مسيطرا، متنفذا يمكنك أن ترتكب كل الجرائم ولن يحاسبك أحد، بل سوف يلتمس لك الكثيرون الأعذار، والعكس سيحدث إذا كنت ضعيفا وقتها لن يرحمك أحد».. الكلام السابق ينطبق تماما على التطرف والبلطجة الإسرائيلية المستمرة منذ عام 1948، من دون أن تجد من يردعها من العرب، أو تواجه إدانة دولية حقيقية، على الرغم من أن كل هذا العالم يعطينا دروسا كل يوم بضرورة احترام القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان. 

نقول هذا بمناسبة، ما قامت به إسرائيل يوم الثلاثاء 12 نوفمبر 2019، من هجمة وحشية على المدنيين الفلسطينيين العزل من خلال غارة جوية، واغتيالها القيادي الميداني الذي كان ممسكًا بزمام الأمور في حركة الجهاد الإسلامي، «بهاء أبو العطا وزوجته»؛ في منزله بحي الشجاعية في قطاع غزة، بزعم أنه كان مسؤولا عن معظم إطلاق الصواريخ من القطاع نحو إسرائيل، وأنه كان يستهدف إحباط مساعي حماس وإسرائيل لتطبيق وتثبيت تفاهمات التهدئة الأمنية في القطاع، وقصفها منزل عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد «أكرم العجوري»، بحي المزة بدمشق ومقتل أحد أبنائه. 

في المقابل، ردت حركة الجهاد على تلك الهجمات بصواريخ، قابلتها إسرائيل بغارات جوية على القطاع، أسفرت عن 34 شهيدا، نصفهم من مقاتلي الجهاد، وإصابة أكثر من مائة جريح معظمهم من المدنيين، ودمار العديد من المباني الخاصة والعامة، وهو ما بث حالة من الهلع والذعر بين المواطنين بسبب خشيتهم من حرب شاملة تجتاح القطاع.

وكان البعض قد أعتقد أن إسرائيل قد أوقفت برنامج اغتيالات الأشخاص، الذين تعتبرهم أعداء للدولة، سواء كانوا نشطاء فلسطينيين ضد الاحتلال، أو علماء نوويين عرب وغيرهم، لكن الهجمات الأخيرة أكدت أن هذه المنهجية الإجرامية ستظل عنصرا جوهريا في عقيدة دولة الاحتلال. ومع أن إسرائيل تعلم أن اغتيال الأفراد وتصفية القيادات لم تحقق أيًا من أهداف حكومات الاحتلال المتعاقبة، إلا أنها أقدمت على عملية الاغتيال هذه وهي متأكدة أنها ستمر من دون رد يُذكر؛ لأن كل الدلائل تشير إلى أنه لا أحد على الجانب الفلسطيني يرغب بالدخول في مواجهة مع إسرائيل.

ويعد هذا الهجوم الوحشي هو السادس خلال السنوات العشر الماضية؛ فقد كان الأول في فبراير 2008، وعرف باسم عملية «الشتاء الساخن»؛ والثاني في ديسمبر من نفس العام بعملية سماها «الرصاص المصبوب»؛ والثالث في نوفمبر 2012 أطلق عليه «عامود السحاب»، وجاء إثر قيام القوات الإسرائيلية باغتيال نائب القائد العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أحمد الجعبري ومرافقه، بغارة جوية من سلاح الطيران الإسرائيلي؛ والرابع في 7 يوليو 2014 تحت اسم «الجرف الصامد»؛ والخامس في 11 نوفمبر 2018.

وبلغ إجمالي ضحايا هذه العمليات الإجرامية 4208 شهداء، بمتوسط 842 شهيدا في العملية الواحدة، وإصابة 17848جريحا، أي بمتوسط 3570 مصابا في كل عملية، بالإضافة إلى ضحايا مسيرات العودة الكبرى السلمية التي بدأت في 30 مارس 2018، بمناسبة الذكرى السنوية الثانية والأربعين ليوم الأرض، والتي تقام على الحدود بين غزة وإسرائيل كل يوم جمعة، لكن قوات الاحتلال الإسرائيلي كانت تطلق الذخيرة الحية عليها، وهو ما أدى إلى استشهاد 360، 20% منهم من الأطفال، وبلغ عدد المصابين نحو 20 ألف جريح إصابات بعضهم مستديمة.

اللافت في الأمر أن ردود الفعل العربية على الهجوم جاءت مهينة، حيث وقف العالم العربي متفرجًا أمام العربدة الإسرائيلية والتطهير العرقي الذي يمارسه الاحتلال، هذا إلى جانب غياب المساءلة والمحاسبة الدولية في ظل الموقف الأمريكي الداعم والمؤيد بشكل صارخ لإسرائيل، فنائب الرئيس الأمريكي «مايك بنس» أدان في تغريدة له على تويتر الهجمات، غير أنه قال إن: «أمريكا تؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». واتخذ المرشح الرئاسي «جو بايدن»، عضو الحزب الديمقراطي، الموقف نفسه بالقول: «من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الإرهابية، ومن غير المقبول أن يعيش المدنيون الإسرائيليون في خوف دائم من الهجمات الصاروخية». وهو ما دفع «بيتر بومونت» في صحيفة «الجارديان»، إلى القول: إن «ما كان غير معتاد في الماضي أصبح الآن ممكنًا بدعم الإدارة الأمريكية الراهنة»، وتأكيد «زها حسن»، من «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي»، أنه «حتى الآن أثبت ترامب وإدارته أنهما متواطئان مع الخطط الإسرائيلية».

وعلى الرغم من ذهاب كثير من المحللين إلى أن هناك أهدافا سياسية لنتنياهو من وراء هذا التصعيد العسكري، يتمثل في رغبته في رفع أسهمه في الشارع، وخلق أجواء غير ملائمة لمتابعته في تهم الفساد التي قد تنهي حياته السياسية وتؤدي إلى دخوله السجن؛ ولهذا قرر خرق اتفاقات التهدئة لإعادة خلط الأوراق بشن حرب حتى ولو كانت محدودة على القطاع، فقد ذهب آخرون إلى أن توقيت اغتيال إسرائيل لـ«أبو العطا»، سعى نتنياهو من خلاله إلى تحقيق عدة أمور منها: 

أولا: محاولة الوقيعة بين حماس والجهاد الإسلامي؛ ففي الوقت الذي تمارس فيه حماس الحكم في القطاع، فإن الجهاد الإسلامي تركز على مهاجمة إسرائيل. ويرى «راف سانشيز»، في «صحيفة التليجراف»، أن «إسرائيل حريصة على استغلال الانقسامات بين التنظيمين الفلسطينيين المسلحين الرئيسيين، وذلك من خلال إعلانها أنها كانت تستهدف تحديدا مقاتلي ومواقع حركة الجهاد الإسلامي». وتتمسك إسرائيل وحماس حاليًا، بوقف إطلاق النار، الذي تم الوصول إليه في مايو من هذا العام، لذا قرر نتنياهو ومسؤولو وزارة الدفاع، الذين يعرفون جيدًا أن حماس ترى في الحفاظ على وقف إطلاق النار هذا أولوية لها، ومن ثم وضع حماس في موقف محرج، من خلال الجلوس في مقعد المُتفرج، بينما تتبادل منافستها الأصغر حجما -«الجهاد»- الضربات مع عدوهم المشترك، وهو ما يترك حماس عُرضة للنقد من كل من الجهاد الإسلامي والفلسطينيين بشكل عام، بأنهم ضعفاء ومهادنون للعدو الإسرائيلي، وربما يثير ذلك الاقتتال الداخلي بين الحركتين، ويؤدي إلى إضعاف المقاومة الفلسطينية في القطاع؛ مما يسمح لإسرائيل بمواصلة تصوير غزة كبقعة إرهابية.

ثانيا: تحقيق العديد من المكاسب السياسية؛ فوسط استمرار الجمود في تشكيل حكومة جديدة، بسبب فشل حزب الليكود وحزب «أزرق أبيض» المعارض في الحصول على الأغلبية في الانتخابات الثانية هذا العام يبحث نتنياهو عن أي وسيلة لتعزيز موقفه؛ حيث أصبح هذا أمرًا ضروريًا بالنسبة إليه، لحاجته الماسة للبقاء في منصبه، وتجنب تهم الفساد التي تلاحقه، والتي يُحتمل أن يواجهها في الأسابيع المقبلة، وهو ما يشير إليه «بيل ترو»، في «صحيفة الإندبندنت»، بقوله: «إن عملية الاغتيال التي قامت بها قوات الاحتلال ربما تكون بمثابة إنقاذ لحياة نتنياهو السياسية»، فبإصداره الأمر بالهجوم باعتباره آخر إجراء له في منصبه، يُمكن أن يدعي الفضل في هذه العملية إذا حققت الهدف المطلوب، علاوة على ذلك، فمن المرجح أن يعزز هذا من دعم الناخبين له؛ حيث بينت دراسة أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في أبريل أن 66% من الإسرائيليين يعتقدون أن إسرائيل تتصرف «بشكل معتدل» في ردها على الهجمات الصاروخية القادمة من غزة، وبالتالي فالرد بالقوة على هذه الهجمات يلبي مطالبات المواطنين الإسرائيليين، وهو ما يعزز من مدى قبول نتنياهو كمرشح لقيادة التحالف الحاكم، أو في كسب المزيد من ناخبيه وتأييده حال إجراء انتخابات جديدة.

ثالثا: الحد من قدرة المنافس الرئيسي لنتنياهو، «بيني غانتس» على المناورة السياسية؛ وعلى الرغم من حالة الانقسام حول العديد من القضايا، إلا أن تقويض القضية الفلسطينية هو هدف مشترك يتفق عليه كل من غانتس ونتنياهو، فكلاهما يدعو إلى تبني المزيد من الأعمال الانتقامية في غزة والضفة، ولهذا أيد «غانتس» -الملطخة أياديه بدماء الفلسطينيين من أهالي غزة عندما كان رئيسًا للأركان- عملية اغتيال أبو العطا، وقصف قطاع غزة؛ وذلك خوفًا من فقدان أصوات أفراد الجيش في إسرائيل لتشكيل حكومته أو دفعه إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت عنوان مواجهة الأخطار التي تحدق بإسرائيل. ويشير «دوف ليبر»، في صحيفة «وول ستريت جورنال»، إلى أن «اتجاه منافس نتنياهو الرئيسي «بيني غانتس» نحو تشكيل حكومة أقلية تعتمد جزئيًا على دعم الأحزاب العربية الإسرائيلية يبدو أقل ترجيحًا في الوقت الراهن، بالنظر إلى أن مسؤولين من داخل تلك الأحزاب، قالوا إنهم يعارضون العمليات العسكرية ضد قطاع غزة»، وبالتالي، «ولت أي فرصة لـ«غانتس» لإنشاء حكومة أقلية تحظى بدعم الأحزاب العربية، وبات من غير المرجح أن يدعم الجمهور الإسرائيلي هذه الخطوة في خضم التصعيد الراهن». 

رابعًا: تحقق المصلحة الأمنية-السياسية لإسرائيل، والتي تتجسد باستمرار الفصل بين الضفة والقطاع وجعله فصلا أو انفصالا أبديا، ووقف الخطر الأمني من جانب المقاومة من خلال ما سمي بالتهدئة والتمهيد لقيام كيان منفصل في القطاع له شبه استقلال ذاتي، وهو ما يستوجب من القيادة الفلسطينية في غزة والضفة رفضه وعدم السماح بوقوعه، فالاحتلال يستغل حالة الانقسام ويعمل على تكريسه والانفراد بالفصائل الفلسطينية والنيل من صمودها؛ فانقلاب حركة حماس عام 2007 على السلطة أوهمتها بأن قدرتها العسكرية هي الطريق إلى التحرير. 

وعلى المدى القصير، من الممكن أن يؤدي التصعيد العسكري الإسرائيلي بهذا الشكل إلى عدم الاستقرار وتصاعد أعمال العنف بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وفي هذا الصدد، يشير «غيث العمري»، من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، إلى أن «هذه العمليات ستخلق بيئة مشحونة بالتوتر والسخط بين الفلسطينيين الذين سيحاولون الرد بقوة على مثل هذه الخطوة، وقد يُلجئ الضغط الداخلي، السلطة الفلسطينية إلى إنهاء التعاون الأمني مع إسرائيل ووقف كافة العلاقات الدبلوماسية، الأمر الذي من شأنه أن يشعل التوترات بشكل كبير». علاوة على ذلك، فإنه قد يدفع إلى تصعيد الهجمات العنيفة ضد الأفراد والممتلكات الإسرائيلية كتدابير انتقامية.

على العموم، ليس غريبًا على نتنياهو اتخاذ خطوات مثيرة للجدل فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في ضوء الأهداف الآيديولوجية والمكاسب الانتخابية المحتملة التي قد يحصل عليها، وفي ضوء الدعم الأمريكي اللا محدود، والصمت العربي غير المبرر. ومع ذلك، فإن استباحة الدم الفلسطيني لتحقيق مكاسب يسعى نتنياهو وغانتس لتحقيقها هي لعبة خطرة قد تشعل حربا أوسع؛ بما قد تؤدي إليه من حالة عدم استقرار وعنف في المنطقة على المدى الطويل، بما يُمكن القول معه إنه قضى على أي تسوية سلمية مستقبلية.

فيما يبقى قرار التمسك بوحدة الشعب والأرض بيد حماس والجهاد، وعليهما تنفيذ اتفاقية القاهرة في أقرب وقت؛ وهو ما يفرض على السلطة أن تعمل على مسارات متوازية ومتكاملة لتحقيق ذلك. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news