العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التنمية المستدامة.. مسؤولية الحكومة أم القطاع الخاص أم المجتمع؟ (3)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

خلال حزمة المؤشرات التي استعرضناها في المقالة السابقة ومن غيرها نستنتج ان تحقيق التنمية المستدامة في الوطن العربي عملية ليست يسيرة والطريق إليها ليس مزروعا بالورود، بل ان هناك عوائق أخرى تتجاوز المجالات الفنية والاقتصادية والبيئية ترتبط بالأوضاع السياسية والأمنية الإقليمية والدولية، كلها تجعل من عملية تحقيقها ليست شعارات أو خطب أو محاضرات تلقى في المؤتمرات والندوات، على الرغم من أهمية ذلك للوعي بحجم المسؤولية التنموية وتأشير ادوار ومسؤوليات العناصر الفاعلة وأصحاب المصلحة فيها، مفصحين عن وجهة نظرنا في ان التنمية المستدامة في الوطن العربي مسؤولية الحكومات أولا، وبالتالي فإن تراجع مؤشراتها يفصح عن خلل كبير في الرؤية والأداء الحكوميين، اما الفواعل الأخرى وأهمها القطاع الخاص والمجتمع فهما منفذان لاستراتيجية الحكومة في تحقيق التنمية المستدامة وفي أفضل الأحوال معززان وداعمان ومساندان لها، وضاغطان عليها في حدود ومجالات ذات صلة بها، وهذا سنوضحه بدءا من دور المجتمع في التنمية المستدامة، ثم دور القطاع الخاص، وأخيرا دور الحكومة. نقصد بدور المجتمع في مقالنا مجمل المبادرات والأنشطة التي يقوم بها الأفراد أو منظمات المجتمع المدني غير الربحية وتسهم بشكل أو بآخر في تحقيق التنمية المستدامة ابتداء من دور الأسرة في تنشئة أبناء يعون أهمية البيئة وضرورات الحفاظ على نظافتها، والاستخدام الرشيد للمياه والموارد المتاحة، بالإضافة إلى دور المدرسة وتوجيه المعلم وإرشاده للطلبة، وتوصيات الصحفي وكتاب الأعمدة الصحفية، للمواطنين، بالسلوك التنموي السليم في مجالات الصحة العامة والحفاظ على البيئة، والاستهلاك الرشيد للحفاظ على الموارد. وتؤدي الابتكارات والاكتشافات التي يتوصل إليها الأفراد الموهوبون وتنفيذها إلى أسلوب جديد للحفاظ على البيئة أو تنمية الوعي الصحي أو توسيع البساط الأخضر أو تسريع الأداء في إنجاز المعاملات أو تطوير مشروع إنتاجي أو خدمي عام أو خاص أو غيرها من المجالات، لكنها لا تسهم في تعزيز التنمية المستدامة قبل تنفيذها، ولا يمكن للأفراد تنفيذها دون دعم وتمويل الحكومة أو القطاع الخاص لهم. وتلعب الجامعات والمعاهد دورا مهمًّا في تأهيل وتدريب الطلبة للإسهام في تحقيق متطلبات التنمية المستدامة وتوفير الموارد البشرية المؤهلة للإبداع والريادة، وتنمية مهارات الخريجين وجعلها أكثرا اتساقا مع احتياجات سوق العمل، سيما وان الإبداع والريادة في ظل التطورات التكنولوجية المعاصرة والمتسارعة، أصبحا قاعدة وضرورة حتمية لرفع القدرة التنافسية للمؤسسات وللاقتصاد الوطني عامة، وبالتالي لا يمكن تصور تحقيق التنمية المستدامة في مجتمع من المجتمعات دونهما. لكن المعادلة التي تحكم دور الإبداع والريادة في تحقيق ذلك هي مستوى احتضان ودعم الحكومة وقطاع الأعمال الخاص للمبدعين والرواد، وقدرتهما على توفير البيئة الملائمة والمحفزة لتحويل إبداعهم من صعيد الفكر إلى التطبيق والنجاح. 

كما يمكن ان يكون اسهام المجتمع في تعزيز التنمية المستدامة من خلال انتخاب أعضاء مجلس النواب والمجالس البلدية، وذلك عبر انتخاب المرشح الأكثر إيمانا وتفهما في قضايا التنمية المستدامة، والأكثر قدرة على اقتراح وسن قوانين وتشريعات تلزم السلطة التنفيذية بصياغة استراتيجية وخطط تنفيذية للتنمية المستدامة. ويتضح دور المجتمع في التنمية المستدامة أيضا من خلال خطب الجمعة في المساجد ومحاضرات الأئمة التي تبرز دور الدين الإسلامي الحنيف في الحث على تحقيق اهداف وقيم التنمية المستدامة، فقد سبق كل النظريات والقوانين الوضعية في تبني تلكم القيم، بدءا من حماية البيئة والتأكيد على أهمية نظافتها وصيانتها، كالمحافظة على التنوع البيولوجي، وحماية المياه من التلوث وحفظ الأشجار الدائمة والغابات، وتشجيع الزراعة، والحث على العمران، مرورا بأهمية التصرف الرشيد بالموارد وعدم الاستئثار بها من جيل واحد، وحفظ حقوق الأجيال القادمة، واستخدام الموارد الطبيعية لتحقيق الرخاء للجماعة والفرد، والتأكيد على أهمية العمل المنتج وعدم الركون الى الغير، والتمكين، الذي يعني منح الأفراد الصلاحيات ووضعهم وجها لوجه أمام المسؤوليات الحياتية، وتشجيعهم على المشاركة والمبادرة باتخاذ القرارات المناسبة ومنحهم الحرية والثقة بالنفس لاختيار وأداء العمل المناسب، فضلا عن بيان حرمة الفساد المالي والإداري وتضييع أموال المجتمع في نشاطات غير منتجة أو تصرفات يراد منها تحقيق مصالح شخصية أو غيرها، والحث على الحصانة الذاتية النابعة من الإيمان بشرع الله وسنة رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ووصولا إلى بيان قيم المساواة في القضايا الإنسانية والعدل في العمل، وحق التملك وتكافؤ الفرص بين الجنسين التي دعا إليها ديننا الإسلامي الحنيف. كما تلعب منظمات المجتمع المدني الأخرى كالجمعيات المهنية والخيرية والتطوعية والاتحادات الشبابية والنسائية وغيرها أدوارا توعوية هامة في توجيه المجتمع نحو السلوك التنموي المستدام، وتعزيز درجة انتماء الأفراد واحترامهم لبيئتهم ومجتمعاتهم، وبناء القدرات والسعي إلى تعبئة الموارد والطاقات الاقتصادية والبشرية، وإشراك مختلف شرائح ومكونات المجتمع في إرساء قواعد التنمية المستدامة، وعدم ترك أحد خارجها، عرضة للفقر والحرمان، والمرض. وذلك اعتمادا على اذرعها المؤسسية والاجتماعية كالجمعيات الخيرية والثقافية وجمعيات حماية البيئة، فضلا عن أدواتها المتعددة في الضغط على السلطة التنفيذية لقيادة المجتمع نحو التنمية المستدامة، ومما ينبغي الإشارة إليه ان جامعة الدول العربية عقدت عدة مؤتمرات وملتقيات لدعم جهود منظمات المجتمع المدني في الدول العربية الساعية إلى تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030, فقد نظّمت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية (إدارة منظمات المجتمع المدني وإدارة التنمية المستدامة والتعاون الدولي) الملتقى الثاني لمنظمات المجتمع المدني المعنية بالتنمية المستدامة في 11/ يونيو/ 2018، كما سبق ان عقدت الملتقى العربي الأول تحت عنوان «دور منظمات المجتمع المدني في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030»، يومي 3 و4 /يوليو/ 2017 وأكد أن المجتمع المدني العربي والقطاع الخاص والحكومات هي المدخل الناجح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومع ذلك يبقى الدور الأكبر والأهم والأكثر فاعلية للحكومة، فبدون جديتها وسلطتها وتشريعاتها ومؤسساتها لا يمكن ان تتحقق التنمية المستدامة، وللموضوع بقية في مقالات قادمة إن شاء الله.

* أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news