العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

البنزين يوحد الإيرانيين

أيَّا تكن الأعذار التي تسوقها الحكومة الإيرانية لتبرير قرار رفع أسعار البنزين، فإن المواطن الإيراني لم يقتنع بهذه الأعذار ولم يقبلها لأن القرار في الدرجة الأولى يمس مستوى حياته المعيشية مباشرة ومن شأنه أن يزيد الأعباء على كاهل عشرات الملايين من المواطنين والأسر خاصة ذوي الدخل المحدود، وكان متوقعا جدا أن يلاقي مثل هذا القرار ردة فعل غاضبة في أوساط مختلف شرائح وفئات الشعب الإيراني الأمر الذي يفسر حالة الغضب التي انتابت هذه الشرائح وخروجها إلى الشوارع غير آبة بالتحذيرات التي أطلقتها القوى الأمنية وتوعد المسؤولين بالمقاومة والتصدي لما أسموه بأعمال الشغب والتخريب التي رافقت هذه الاحتجاجات مثل حرق المؤسسات العامة وغيرها.

جميع المراقبين يؤكدون أن إيران تواجه مصاعب اقتصادية كبيرة، بل وخطيرة جراء الحصار الاقتصادي والمالي الذي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية فرضه وتشديده بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015 وإعادة العمل بهذه العقوبات التي تسببت في جعل إيران تواجه صعوبات كبيرة في تسويق نفطها الذي يعد المصدر الرئيسي لرفد الاقتصاد الوطني بالعملات الصعبة، هذه العقوبات انعكست سلبا على القيمة الشرائية للعملة الإيرانية الأمر الذي أضعف من القدرة الشرائية للمواطنين الإيرانيين.

أي قرارات حكومية تذهب إلى المس بالوضع المعيشي للمواطنين، عادة ما تمثل الشرارة التي تشعل الحرائق، فالحرائق المعيشية عادة تمتد وتتسع لتشعل معها حرائق أخرى، في مقدمتها الحرائق السياسية التي ظهرت في الاحتجاجات التي تشهدها إيران حاليا إذ لم يسلم منها النظام وعلى رأسه الرئيس الإيراني، بل وحتى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، هذه الحقيقة نشاهدها أيضا تتجلى في الاحتجاجات التي تشهدها بلدان أخرى مثل العراق الذي بدأت تحركاته الشعبية بمطالب لمكافحة الفساد وانتقلت إلى المطالبة بتغيير النظام، والحال نفسه يتكرر أمامنا في الأحداث اللبنانية التي بدأت بخدمة «الوتس أب» وتطورت إلى ما نشاهده الآن من مطالب سياسية عميقة.

فالحكومة الإيرانية عجزت حتى الآن عن تحقيق الوعود التي تمس الحياة المعيشية للمواطن الإيراني، وفي مقدمة هذه الوعود تحقيق قدر مقبول من العدالة الاجتماعية، إذ لا يخفى على أحد الفوارق الطبقية الكبيرة في المجتمع الإيراني مع ارتفاع نسبة البطالة خاصة بين الشباب، نتيجة لإخفاق الحكومات الإيرانية المتعاقبة على إيجاد حلول جذرية للأوضاع الاقتصادية المتردية، إما بسبب العقوبات الأمريكية والدولية التي سبقت توقيع الاتفاق النووي، أو بسبب سوء الإدارة والفساد في عديد من الأجهزة الإدارية الحكومية.

فما تشهده الساحة الإيرانية من أحداث عمت كبرى المدن وفي مقدمتها العاصمة طهران إلى جانب مدن كبيرة مثل شيراز وأصفهان وغيرها، مع أنها لم تصل إلى قلب الاقتصاد الإيراني، أي إلى البازار، فإن هذه الأحداث مرشحة إلى أن تتطور وتتصاعد خاصة إذا ما لجأت الحكومة الإيرانية إلى أسلوب العلاج التقليدي، أي إلى العلاج الأمني، ففي بلد يبلغ عدد سكانه حوالي ثمانين مليون نسمة، ربعهم تحت سن الخامسة عشرة من العمر، وتعاني فيه شرائح واسعة من ظروف معيشية صعبة، لا يمكن للمعالجات الأمنية أن تخمد تحركاته أو أن تقنعه بالتراجع عن مطالبه المشروعة، خاصة إذا ما كانت هذه المطالب ماسة بحياته المعيشية مباشرة.

لا يمكن للحكومة الإيرانية أن تقنع الجماهير الغفيرة التي تدفقت إلى شوارع كبرى المدن، بأن أسباب تحركها غير مقبولة أو أن مطالبها غير محقة وغير مشروعة، وبأن القرار الحكومي برفع أسعار البنزين هدفه «مساعدة الطبقات الفقيرة»، فالسواد الأعظم من المنتفضين في شوارع المدن الإيرانية هم من أبناء هذه الطبقات، أضف إلى ذلك فإن وضع اللوم على قوى خارجية فيما تشهده إيران من تحركات جماهيرية واحتجاجات، إنما هو بمثابة هروب إلى الأمام بعيدا عن مواجهة الحقيقة، فالأسباب والعوامل الداخلية هي الأساس وراء أي تحركات وانتفاضات واحتجاجات، أما خلاف ذلك فهو عجز صريح عن الاعتراف بالحقيقة.

فالأحداث التي تدور على الساحة الإيرانية لا بد أن تفرز من أحشائها وقائع جديدة، خاصة وأنها ليست الأولى من نوعها التي تشهدها الساحة الإيرانية، أضف إلى ذلك، فإن محرك هذه الأحداث يمكن أن يجمع تحت مظلته تناقضات واختلافات الشارع الإيراني، السياسية منها وحتى الاجتماعية فالأسباب التي تحرك الشارع الإيراني خلال هذه الأحداث، أي رفع أسعار البنزين وما لهذا القرار من تأثير سلبي على الوضع المعيشي للمواطنين، من شأنه أن يجمع المناهضين للحكومة والمختلفين معها والمؤيدين تحت سقف واحد، أي رفض القرار والاحتجاج عليه، بغض النظر عن اتفاق هؤلاء أو اختلافهم حول نوعية المسار الذي سوف تتخذه الأحداث.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news