العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

مقالات

حرمة المال العام

بقلم: د. جعفر الصائغ

الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

ديوان الرقابة المالية كعادته في كل سنة يقدم لنا تحفة من البيانات المالية الواسعة والمثيرة، فيثير زوبعة من النقد والتحليل ويحرك الوسط الثقافي بندواته وكتاباته. ومن الطبيعي أن يقلق البعض لهذا الحجم الهائل من المخالفات والتجاوزات المالية المتكررة التي يكشفها التقرير، ليس بغضا في مرتكبي المخالفات وإنما خوفاً ودفاعاً عن المال العام وحبا في استقرار هذا الوطن الحبيب. فأهمية ديوان الرقابة المالية تكمن في حماية المال العام والمحافظة عليه والتحقق من سلامة ومشروعية أوجه إنفاقه في ظل الحرص على تطبيق أعلى درجات النزاهة والمهنية والشفافية.

المال العام هو المال الذي تعود ملكيته إلى الأمة وتكون الدولة مسؤولة عن إدارته والاحتفاظ به وتنميته، وذلك من خلال الجهات الحكومية كالوزارات والبلديات والمؤسسات المختلفة. ويشمل المال العام الشركات والوحدات الإنتاجية والموارد والطرق والحدائق والجامعات ووسائل المواصلات والأراضي والإيرادات المتحصلة من بيع الموارد وفرض الضرائب والرسوم، وحتى الأثاث المملوك لكل مؤسسة أو جهة حكومية هو جزء من المال العام.

ومن يتولى أمر هذه الأموال ويديرها من مسؤول أو وزير أو مدير وغيرهم لا يملك حق التصرف المطلق فيها، لأنه لا يعد مالكاً لها بل هو موظف ومؤتمن عليها، وعليه أن يديرها بأمانة وبمسؤولية تامة وفق القواعد القانونية والشرعية وضمن الصلاحية والمسؤولية الدستورية. للمال العام حرمة ومن يعتدي عليه بشكل مباشر كالاختلاس والنهب والتبذير أو بشكل غير مباشر كاللامبالاة وسوء الاستخدام فسيعرض نفسه للمساءلة القانونية. وتؤكد لنا الدولة وهي المسؤول الأول عن حماية الممتلكات العامة أنها لن تتوانى عن إحالة كل من يتطاول أو يعتدي على المال العام إلى القضاء.

إن الحفاظ على المال العام هو ثقافة وواجبٌ أخلاقي أكثر منه واجب قانوني. والأضرار التي قد تصيب المال العام لا تنحصر في أشكال النهب والاختلاس بل إن الأمر قد يتشكل بألوان أوسع وأخطر من ذلك بكثير. فعلى سبيل المثال تعطيل مشروع تنموي أو توظيف الأقارب وطرد الكفاءات الوطنية أو إتلاف عمود كهربائي أو التهرب من سداد مستحقات الهيئات والمؤسسات المملوكة للدولة يأتي ضمن التلاعب بالمال العام. 

تقرير ديوان الرقابة المالية كشف لنا أشكالا أخرى من التلاعب بالمال العام، فمثلاً جهات حكومية تقوم بصرف تذاكر سفر على درجة رجال الأعمال لغير شاغلي الوظائف العليا، وجهة أخرى تتحمل راتب مستشار أجنبي بقيمة تصل إلى 63 ألف دينار سنويا، فيما يقضي ثلث السنة خارج مقر العمل، فيما تقوم إحدى المؤسسات العامة بصرف 23 ألف دينار بدلا من حضور اجتماعات مجلس الإدارة للمستشار العام لشركة معينة خلال 3 سنوات على الرغم من حضوره الاجتماعات يقع في نطاق واجباته، وفي مجلس النواب يتم توظيف موظفين بمعايير غير قانونية. كل هذه الأشكال تضر بالمال العام بشكل مباشر وتؤدي إلى إهداره وتبذيره.

إنه لحماية المال العام والمحافظة على تنميته وديمومته ومنع أي اعتداء أو تصرف ينتهك صفته العامة، تحرص الحكومات والسلطات التشريعية في جميع البلدان على سن القوانين والتشريعات اللازمة التي تجرم انتهاك حرمة المال العام وتضع العقوبات المناسبة ضد المقصرين والمتسببين في إلحاق الضرر به. وتلجأ الكثير من البلدان أيضاً إلى تفعيل مؤسّسات الرقابة ومكافحة الفساد الإداريّ حمايةً للمال العام.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news