العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

اطلالة

هالة كمال الدين

halakamal99@hotmail.com

الصندوق الأسود للرحمة

يقول محمد الغزالي:

«ليست الرحمة لونا من الشفقة العارضة.. وإنما هي نبع الرقة الدائمة.. ودماثة الأخلاق.. وشرف السيرة»!

كلمات الغزالي هذه مرت على خاطري مؤخرا أثناء توقفي في إحدى الإشارات الضوئية، حيث شاهدت منظرا أثار حفيظتي وكثيرين غيري، لسيارة إسعاف وقد توقفت في منتصف الطريق أمامي ولم تتمكن من مواصلة السير في انتظار أن تفسح لها السيارات ممرا كما هو المعتاد في مثل هذه الحالات.

لقد أدهشني موقف أصحاب السيارات هؤلاء الذين ساروا في طريقهم بكل سلاسة غير عابئين بسيارة الإسعاف ومن بداخلها من حالة قد تكون حرجة، وذلك من دون أدنى إحساس بالمسؤولية وتساءلت:

ماذا حدث للناس؟

أين ذهبت الرحمة؟

أين ذهبت الإنسانية؟

أين ذهبت الآدمية؟

لماذا قست القلوب وتغلب الشر وقل الخير؟

لماذا أصبح البعض ينهش في لحم البعض؟

لماذا جحود الصغير للكبير؟ والأبناء للوالدين؟ 

لماذا بات التاجر ينهب المشتري؟ ويطحن صاحب العمل عماله؟

لماذا أصبح الطبيب يتاجر بمريضه؟ والعالم بعلمه؟

وأسئلة أخرى كثيرا ما تحيرني هذه الأيام، وتشغل الكثيرين، وخاصة بعد الحادث الذي أفجع المصريين مؤخرا، وفتح ملف الرحمة من جديد، وبقوة على الساحة، والذي تعلق برئيس القطار الذي فقد النخوة ومعها الرجولة بل والإنسانية، حين أجبر شابين على القفز من القطار لمجرد ركوبهما من دون تذاكر، فمات أحدهما وأصيب الآخر.

هذا التصرف الفردي الشاذ من رئيس القطار أصاب المجتمع المصري بنوع من الصدمة، ولكن الفاجعة الكبرى كانت في موقف مجموعة المسافرين بالقطار الذين شاهدوا الواقعة، وتابعوا تطوراتها، وكأنها مسرحية هزلية، من دون أن تحرك لديهم ساكنا، حيث لم يتدخل أحد لمنع هذا المسؤول الهمجي من هذا التصرف المشين، أو حتى لحل الموقف عن طريق شراء تذاكر للشابين مثلا.. وهذا أضعف الإيمان!!

أحد الأطباء النفسيين علق على هذه الواقعة المؤسفة قائلا إنه عقب كل حادث طائرة يتم البحث عن الصندوق الأسود الخاص بها، وذلك للوقوف على أسباب الحادث، بهدف تلافي وقوعه مستقبلا، وهذا ما نحتاج إليه فعليا بالنسبة إلى غياب الرحمة في هذا الزمان، أو بالأحرى ندرتها.

بمعنى آخر يرى هذا الاختصاصي النفسي ضرورة فتح الصندوق الأسود الذي يتعلق بالرحمة بين الناس، والبحث فيه، والتوصل إلى الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة من التوحش، لمعرفة أين ذهبت، وما  أسباب ذهابها!!

إن أجمل ما قيل عن الرحمة كانت كلمات الراحل الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، والذي لخص أسمى معانيها حين قال:

«الرحمة أعمق من الحب وأصفى وأطهر، ففيها الحب، وفيها التضحية، وفيها إنكار الذات، وفيها التسامح، وفيها العطف، وفيها العفو، وفيها الكرم، فكلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية، ولكن قِلة منا هم القادرون على الرحمة»!

فلنفتح الصندوق الأسود للرحمة.. لعلنا نستعيدها في قلوب من غابت عنها.. وما أكثرهم!!

إقرأ أيضا لـ"هالة كمال الدين"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news