العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تأثير التكنولوجيا العسكرية على العقيدة العسكرية للجيوش: ملاحظات أساسية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

خلال مشاركته في مؤتمر التكنولوجيا العسكرية في الشرق الأوسط قال الدكتور عبداللطيف الزياني الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية «إن العقيدة الدفاعية لدول المنطقة والعالم يجب أن يتم تحسينها وتطويرها بما ينسجم مع آخر التطورات التقنية لمواجهة الهجمات السيبرانية وزيادة الوعي المعرفي بكيفية إدارة المعارك المستقبلية من الناحية العملياتية والتقنية العسكرية». بتلك الكلمات الموجزة حدد الأمين العام للمجلس المسار الذي يتعين أن تنتهجه الدول بشأن صياغة عقيدتها الدفاعية، ويثير ذلك تساؤلين مهمين الأول: ما هي مواصفات العقيدة الدفاعية المطلوبة؟ والثاني: ما هو تأثير التكنولوجيا العسكرية الحديثة على مضامين تلك العقيدة؟ وللإجابة عن التساؤل الأول يمكن التأكيد على أن هناك اهتماما بالغا لدى كافة الدول بصياغة ما يسمى «استراتيجيات الأمن القومي»، وهي عبارة عن مواثيق دفاعية تتضمن تحديد التهديدات وقدرات الدول على مواجهتها وكذلك الأولويات ومن ذلك استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، استراتيجية الأمن القومي الروسي، الكتاب الأبيض في فرنسا والذي تضمن استراتيجية الدفاع، وغيرها من استراتيجيات الأمن القومي، وتتسم تلك المواثيق بثلاث سمات مهمة الأولى: المرونة والقابلية للتعديل، فعلى الرغم من شمولها كافة مهددات الأمن القومي للدول فإن تلك الدول قد تضطر إلى تعديلها ومن ذلك إعلان روسيا تعديل عقيدتها البحرية عام 2015 لمواجهة نفوذ حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فضلا عن إصدار حلف الناتو ما يسمى المفهوم الاستراتيجي الجديد عام 2010 وهو ميثاق أمني واقعي رفيع المستوى يصدر كل عشر سنوات مكملا للميثاق المنشئ للحلف ويتضمن كافة المستجدات الأمنية كما يراها أعضاء الحلف وتحديد آليات مواجهتها والتي قد لا ترتبط بالضرورة بالنطاق الجغرافي لدول الحلف، والثانية: الانطلاق من الواقع، حيث لوحظ أن القائمين على صياغة تلك الاستراتيجيات يكون لديهم فرصة للالتقاء بشركائهم من الدول التي يحتمل أن تشملها تطبيقات هذه الاستراتيجية، ومن ذلك حوار ممثلي دول حلف الناتو مع شركائهم سواء في مبادرة الحوار المتوسطي أو مبادرة اسطنبول، بما يعني أن واضعي تلك الاستراتيجيات والمواثيق دائمًا لديهم حرص على التعرف على مجال عمل استراتيجيتهم بشكل واقعي، والثالثة: الجمع بين العنصرين المدني والعسكري، ففي ظل تغير التهديدات الأمنية والحاجة إلى تحليلات استراتيجية فإن دور العناصر المدنية يظل مهمًّا وبالتالي نجد أن بعضًا من تلك الاستراتيجيات تطرح للنقاش في مراكز التفكير الاستراتيجي جنبًا إلى جنب مع المؤسسات العسكرية من أجل إحداث التكامل الفكري المنشود.

ومع أهمية تلك السمات فإنه في ظل التكنولوجيا العسكرية الحديثة فإن هناك حاجة ماسة لأن تستجيب العقيدة العسكرية للجيوش لواقع تلك التكنولوجيا وذلك من خلال نهج براجماتي يتضمن عدة نقاط أولها: مسألة تحديد الأولويات إذ أنه من الصعوبة بمكان مواجهة كافة التهديدات في وقت متزامن وإنما يتعين تحديد أيها أكثر خطورة وإلحاحًا، وثانيها: في ظل تغير واقع التهديدات الراهنة والتي أضحت غير تقليدية وتعبر عنها تهديدات الأمن السيبراني التي يمكنها أن تكبد دول العالم خسائر فادحة فإن ذلك يملي على الدول صياغة عقيدة دفاعية هجومية دون الانتظار لمواجهة الأخطار وتقدم دول عديدة تجارب مهمة في هذا الشأن منها تجربة الولايات المتحدة الأمريكية، بل واستحداث وحدات لمواجهة تهديدات الأمن السيبراني ضمن الخطط والاستراتيجيات العسكرية على غرار ما قامت به العديد من دول العالم لممارسة ما يطلق عليه «الردع الإلكتروني»، وثالثها: في سياق الحديث عن تطوير العقيدة العسكرية للجيوش فإن هناك أهمية بالغة للاهتمام برفع درجة الوعي لدى أفراد القوات المسلحة بكافة المستجدات الأمنية وهو توجه تأخذ به العديد من دول العالم التي أسست أكاديميات دفاعية تتضمن إلى جانب العلوم العسكرية مناهج خاصة بإدارة الأزمات والطوارئ وكذلك التخطيط الاستراتيجي، ورابعها: أن تتضمن تلك الاستراتيجيات آليات محددة للتعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات الخاصة بالتطورات الأمنية وتحليلها بشكل صحيح لكونها المرتكز الأساسي لاتخاذ أي قرار في هذا الاتجاه أو ذاك، وخامسها: ضرورة أن يتلاءم بناء القوات العسكرية مع طبيعة التهديدات، ففي ظل تطور تلك التكنولوجيا فإن التحدي الحقيقي هو كما أشار إليه الأمين العام لمجلس التعاون سيكون: كيف يمكن أن نكسب الحرب من دون إطلاق رصاص؟ وبالتالي من المهم للغاية أن يتلاءم بناء القوة مع تسارع وتيرة التكنولوجيا والتي تعد الطائرات من دون طيار أحد أبرز ملامحها في الوقت الراهن. 

ولا شك أن توافر كل أو بعض تلك المتطلبات لن يكون من شأنه مواكبة مضامين العقيدة العسكرية للجيوش للتطورات التكنولوجية المذهلة فحسب بل التوظيف الأمثل للموارد والتي ربما تكون محدودة ولا يمكنها الوفاء بكل ما تتطلبه تلك العقيدة، ومن ناحية ثانية تجنب عنصر المفاجأة حيث إننا لا نتحدث عن حروب تقليدية برية تحتاج إلى حشود عسكرية هائلة بل تهديدات عابرة للحدود، فضلاً عن القدرة على الحد من خسائر المهددات الأمنية إذا ما أمكن ممارسة العمليات الاستباقية.

إن التطور التكنولوجي وما فرضه من تغير طبيعة الصراعات بحيث أضحت الحروب اللا متماثلة هي السمة الأساسية في تلك الصراعات يفرض على الدول إعادة صياغة عقائدها العسكرية بما يتناسب وتلك التحديات، صحيح أن هناك خططا واستراتيجيات تمتد لسنوات ولكن ذلك لا يحول دون إصدار مواثيق أمنية استراتيجية تتكامل مع تلك الخطط ولا تتعارض معها، إلا أن هناك عدة اعتبارات يتعين مراعاتها عند صياغة تلك الاستراتيجيات، منها ضرورة التناسب بين الموارد والأهداف، حيث إن صياغة أهداف طموحة بلا موارد كافية يعني وجود معوقات في التنفيذ، وأهمية أن تتكامل تلك الاستراتيجيات مع الاستراتيجيات الدولية الرامية إلى الحفاظ على أمن المنطقة في ظل حتمية التعاون الإقليمي -العالمي، فعلى سبيل المثال لن يكون بمقدور أي دولة مهما بلغت إمكاناتها مواجهة مخاطر الإرهاب السيبراني، وتظل هناك حاجة إلى التعاون الدولي في هذا المجال، بالإضافة إلى أهمية دراسة البيئة التي يتوقع أن تعمل فيها تلك الاستراتيجية ومدى ملاءمتها، كما يجب أن تتضمن تلك الاستراتيجية برامج للمحاكاة والتي أشرت إليها في مقالات سابقة ويتمثل هدفها الأساسي في إنهاء الفجوة بين الواقع والمتوقع إبان الأزمات، وأخيرًا ضرورة التدريب على كيفية توظيف تطبيقات التكنولوجيا الحديثة في مجال الدفاع ويتطلب ذلك تدريبًا نوعيا. إن جل هدف هذا المقال ليس إيضاح تأثير التكنولوجيا الحديثة على العقيدة العسكرية للدول فحسب بل تأكيد ضرورة الاستعداد لأسوأ الاحتمالات وهي إمكانية حيازة الجماعات الإرهابية أسلحة محظورة وهو احتمال يظل قائمًا بما يعنيه ذلك من تغير مضامين ومسار الصراعات عمومًا. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news