العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التنمية المستدامة.. مسؤولية من؟ الحكومة أم القطاع الخاص أم المجتمع؟ (2)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

حددت الامم المتحدة حزمة من الاهداف للتنمية المستدامة (القضاء على الفقر، القضاء التام على الجوع، الصحة الجيدة والرفاه، التعليم الجيد، المساواة بين الجنسين، المياه النظيفة والنظافة الصحية، طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، العمل اللائق ونمو الاقتصاد، الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، الحد من اوجه عدم المساواة، مدن ومجتمعات محلية مستدامة، الاستهلاك والإنتاج المسؤولان، العمل المناخي، الحياة تحت الماء، الحياة في البر، السلام والعدل والمؤسسات القوية، عقد الشراكات لتحقيق الأهداف) ينبغي تحقيقها عام 2030. نحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على واقع قسم منها في الوطن العربي في ضوء مؤشرات واحصاءات المنظمات الدولية، فمثلا يعد القضاء على الفقر في مقدمة اهداف التنمية المستدامة، وقد بلغت نسبة سكان الوطن العربية الذين يعيشون تحت خط الفقر الدولي البالغ (1.25) دولار أمريكي في اليوم، نحو (4%) عام 2010, بينما كان يعيش نحو (40%) منهم على أقل من (2.75) دولار في اليوم. ويعد الوطن العربي الوحيد من بين مناطق العالم التي ازداد فيها الفقر المدقع منذ عام 2010 بدلا من ان ينخفض. وفي تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا بعنوان «التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد» عام 2017 يشير إلى أن الفقر بمختلف أبعاده هو من أكبر التحديات التي تواجه الوطن العربي، وهو نتيجة ظروف تاريخية وسياسية واقتصادية، أدت إلى تراجع النمو الاقتصادي وبالتالي اختلال في الوضع الاجتماعي وتفاوت في مستويات المعيشة. فقد بلغت نسبة عدد الفقراء فقرا مدقعا (13.4%) من السكان، اي نحو (38.2) مليون نسمة، أما النسبة التي أظهرها دليل الفقر المتعدد الأبعاد (يتضمن هذا المؤشر الفقر المادي والحرمان من الخدمات الضرورية كالتعليم والصحة وغيرها) الذي يتضمن أيضا الفقر المدقع، فهي أعلى بكثير. فتبلغ نسبة عدد الفقراء في البلدان العربية العشرة التي شملتها الدراسة (40.6%) من عدد سكان الوطن العربي، اي نحو(116.1) مليون نسمة. اما في مجال التعليم الجيد فتشير دراسات الأمم المتحدة إلى ان تزايد الصراعات المسلحة وحالات الطوارئ الأخرى في عدة بلدان عربية (سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، الصومال) وما صاحبها من زيادة كبيرة في معدلات الفقر، أدى إلى زيادة كبيرة في أعداد الأطفال خارج المدارس. كما ان البلدان العربية تعد متخلفة في مجال الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية وغيرها، حيث لا تمثل حاليًا سوى (7%) من مزيج الطاقة في الوطن العربي على الرغم من تمتعه باحتياطيات كبيرة في مجال النفط والغاز الطبيعي، وأن لديه أعلى مستويات من الإشعاع الشمسي. ولا يحصل نسبة (40%) من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود على الطاقة، كما ان المواطنين الذين تعرضوا للنزوح القسري بسبب النزاعات كما هو الحال في سوريا والعراق يفتقرون إلى الطاقة، مما يعيق قدراتهم على مواجهة المشاكل الناجمة عن النزوح والتعافي من آثاره. ويظهر من هدف العمل اللائق ونمو الاقتصاد ان الوطن العربي يشهد تفاوتات كبيرة في مستويات نصيب الفرد من الدخل القومي. وقد اظهر تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2016 أن نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في المنطقة العربية بلغ في المتوسط (14.958) دولارا أمريكيا في عام 2015. وعموما تعاني الدول العربية من تفاوت كبير في مستويات الدخل. كما يظهر مؤشر التنمية البشرية عدم المساواة في التعليم، فضلاً عن عدم المساواة في الدخل وفي مجال الصحة. وتشهد الدول العربية ثاني أعلى نسبة عدم مساواة بين جميع الدول النامية بمجال الفقر بين الحضر والريف (3.5 اضعاف). علاوة على عيش نسبة (28%) من سكان الحضر في أحياء فقيرة أو مستوطنات غير رسمية (عشوائيات) تفتقر إلى الشروط الصحية المستدامة كالمساحات الخضراء. وحيث ان الاستثمار في الصناعة والبنية التحتية والابتكار عوامل بالغة الأهمية للنمو الاقتصادي والتنمية، فرضته متطلبات الدخول في عصر الثورة الصناعية الرابعة فضلا عن الطاقة المتجددة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتعزيز الصناعات المستدامة، والاستثمار في البحث العلمي والابتكار وغيرها من مجالات التقدم التكنولوجي، بما توفره من حلول حاسمة للتحديات الاقتصادية والبيئية، مثل توفير فرص عمل جديدة وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة، باعتبارها عناصر هامة لتعزيز التنمية المستدامة، نجد ان الدول العربية لاتزال تسير ببطء نحوها، ولم تظهر نماذج عربية مميزة الا بحدود ضئيلة جدا في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي ينذر بمخاطر كبيرة على حاضر ومستقبل الأجيال العربية. واذا ما اضفنا ذلك إلى غياب الأمن المائي العربي، حيث تعد الدول العربية الأكثر خطرا من غياب الأمن المائي في العالم، (14 دولة عربية من البلدان العشرين الأكثر معاناة من ندرة المياه في العالم)، فلا يتجاوز نصيب الفرد العربي من المياه المتجددة (12%) من متوسط الحصة للفرد عالميًا. كما يتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى خفض المياه المتجددة فيها بنسبة (20%) بحلول عام 2030. ومما يزيد الامر خطورة ان نصف مياه الوطن العربي تنبع من خارجه، وهو ما يجعل الوطن العربي الأكثر اعتمادا على مصادر المياه الخارجية. كما انه أحد أكثر مناطق العالم هشاشة من الناحية البيئية، فهو يعاني من سوء إدارة الموارد الطبيعية، والاستهلاك الجائر للموارد المتاحة وتخلف الطرق التي يعتمدها للتخلص من النفايات السامة والملوثات. ويشهد الوطن العربي ارتفاعا في درجات الحرارة أسرع من المتوسط العالمي، حيث من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة فيه بمقدار (4) درجات مئوية بحلول نهاية القرن. مما يؤدي إلى موجات جفاف شديدة، تهدد بانخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة (20%) بحلول عام 2080. من هذه المؤشرات ومن غيرها نستنتج ان تحقيق التنمية المستدامة في الوطن العربي عملية ليست يسيرة والطريق اليها ليس مزروعا بالورود، بل ان هناك عوائق اخرى تتجاوز المجالات الفنية والاقتصادية والبيئية ترتبط بالأوضاع السياسية والأمنية الإقليمية والدولية، كلها تجعل من عملية تحقيقها ليست شعارات أو خطبا أو محاضرات تلقى في المؤتمرات والندوات على الرغم من اهمية ذلك للوعي بحجم المسؤولية التنموية وتأثير ادوار ومسؤوليات العناصر الفاعلة وأصحاب المصلحة فيها، وللموضوع بقية في مقالات قادمة بعون الله وتوفيقه. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news