العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

مقالات

عندما ينجح سفير في القاهرة

 بقلم: د. وجدان فهد

الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

يصف السفير الراحل غازي القصيبي أن وظيفته هي الوظيفة الوحيدة التي لا يوجد لها توصيف، لذا يجب أن يضع لنفسه أولويات صارمة جدا، وإن لم يفعل فسوف يجد نفسه عاجزًا عن أي حركة أو صريعا من الإعياء. فأي سفير بلا أولويات واضحة هو سفير يتخبط على غير هدى. 

ويطرح القصيبي في روايته «سعادة السفير» أن هناك فرقا كبيرا بين الحركة الحقيقية ووهم الحركة، فالسفير الذي يحضر عشر حفلات استقبال يوميا يبدو أمام الكاميرات والصحف نشطًا جدا، ولكن هل حقق شيئا سوى زيادة وزنه! 

والسفير الذي يدعو كل زائر إلى غداء أو عشاء قد يصنع لنفسه سمعة في الكرم والضيافة، لكن هل لهذه السمعة تأثير سياسي؟!

أما السفير الذي يقابل عشرين نائبا ومسؤولا ويكتب عن مجمل زياراته تقريرًا حافلا، فما جدوى ذاك المجهود والوقت الهادر، فيما لو أجرى لقاء لا تتجاوز مدته ربع ساعة مع شخص واحد فقط لكنه مؤثر في المشهد والقرار؟!

ولكي يكون السفير فعّالا يجب أن يعرف مكامن القوة الحقيقية ويركز عليها، ويعرف النظام الذي يعمل فيه، ولا سيما لو كانت مهمته في دولة تعد لاعبا رئيسا في صنع القرارات وبها مئات البعثات الدبلوماسية والتمثيل الإقليمي لمنظمات أممية عديدة ومراكز بحثية وجامعات ومستشفيات وأعمال قنصلية وعدد كبير من أبناء الوطن يقيمون فيها. 

 مثل هذا السفير قلما يوجد، لذا من ينجح من السفراء في العاصمة المصرية القاهرة يكون ذا شأن كبير وخصوصا لو اجتاز امتحان القاهرة في أولى مهماته الدبلوماسية، لذا عندما اتطرق لتجربة سعادة السفير الشيخ راشد بن عبدالرحمن آل خليفة، سفير مملكة البحرين لدى القاهرة، فذلك لأجل الاقتداء والإفادة، وذكر كلمة حق في شخصه من دون تملق أو رياء. 

 الشيخ راشد الذي يحمل خبرة إعلامية واسعة، قد بدأ مهمته الدبلوماسية الأولى في القاهرة يوم كانت تموج بحراك مهيب وتهب عليها رياح عاصفة شديدة أدت إلى ثورة شعبية عارمة شارك فيها الملايين من أبناء الشعب المصري، كما أدت إلى تنحي حاكم لا نزال نستذكر وقفته مع بلادنا والخليج كغالبية حكام مصر الذين تجمع قيادتنا بهم وعلى رأسهم جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله علاقات ودية مميزة حتى في عهد فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، ازدهرت في أثرها العلاقات الثنائية بين البلدين ووصلت لآفاق رحبة من التعاون المشترك والأخوة الوطيدة بين الشعبين.

أبدى الشيخ راشد ثباته في مهمته برغم كل الظروف التي شهدتها مصر إبان ثورة 2011 وما اتبعها من ثورة تصحيحية، فعاصر خلال تسع سنوات ثورتين شعبيتين وأربعة رؤساء، وتسعة رؤساء للحكومة، وست وزراء للخارجية، تخيلوا كل هذا العدد الذي يلزمه في كل مرة أن يقابلهم ويتبادل معهم الآراء وينقل المواقف، وقد استطاع بصبره وعمله الدؤوب بتوجيهات ودعم القيادة ووزارة الخارجية ومعالي الوزير شخصيا أن تنجح ست قمم بحرينية مصرية وتتوج باتفاقات ومنح أوسمة ومنافع عديدة.

وتوازيًا مع ذلك انسجم مع طبيعة المجتمع المصري وخبر أمكنة القاهرة، متجولاً فيها من دون حراسة، وملبيًا كل واجبات الوفادة والتواصل الاجتماعي مع المصريين والبحرينيين المقيمين هناك، واهتم بحضور مناقشات رسائل الدكتوراه للطلبة البحرينيين كي يشد من عزيمتهم ويزيدهم تشريفًا في تلك اللحظات الاستثنائية التي تعلن فيها النتائج، وقد كنت منهم، إذ حضر مناقشتي للدكتوراه بجامعة القاهرة وتكبد ساعات الانتظار الطويلة التي جاوزت خمس ساعات وأكثر لحين لحظة إعلان النتيجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى.

إن ما أذكره عن سعادته هو غيض من فيض، وهناك سفراء كثيرون سمعت عنهم وعاصرتهم وقرأت عن تجاربهم بما وثقوه بأنفسهم في كتب. لكن دائما اهتمامي بالسفير الذي يعبر إلى القاهرة، لأنها بحد ذاتها مدرسة دبلوماسية ثرية، الذكي من يستفيد ويتعلم منها، ويبني علاقات تستمر معه حتى بعد مغادرتها. 

وطبعا لكل سفير تجربة فما قرأته عن تجربة أول سفير بحريني في القاهرة بما خطه بنفسه في كتاب السفير تقي البحارنة كانت ترتكز على التأسيس للسفارة والعقلية التجارية البحتة بالصرف والادخار والإنفاق الأمثل للدينار وإبرام الصفقات التجارية لإفادة الشركات البحرينية بينها شركة ألمنيوم البحرين ألبا. وحتما تجربته تفيد في فهم واستيعاب التجارب التأسيسية للسفارات، فيما تجربة الشيخ راشد تفيد في تعريف الأجيال بمقومات السفير الناجح وفعل حركته، وقبل كل ذلك يضع وطنه والاعتبارات الإنسانية لأبناء بلده فوق كل اعتبار. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news