العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الإعلانات التجارية والترويج للوهم

في جميع الدول العربية تستطيع ان تنشر إعلانا عن أي سلعة تريد الترويج لها من دون رقيب او حسيب، طالما أنك لا تستخدم فيها الصور الجنسية الصريحة او تسيء الى المعتقدات الدينية او تستخف بها، فما من بلد عربي به هيئة تماثل هيئة معايير الإعلان البريطانية Advertisements Standards والتي تحدد الضوابط التي تحكم نشر الإعلانات وتلاحق وسائل الإعلام التي تخالف تلك الضوابط، حتى قبل ان تصلها شكوى من أي طرف، بينما في بلداننا تستطيع أن تقول في الإعلان انك تملك خلطة تطلق عليها اسم «ريوس» أو «ريفيرس»، مثلا، وتزعم أنها تطرح من عمر من يستخدمها عشرين سنة، وقد كتبت كثيرا عن شرش الزلوع وهي نبتة تأكلها الأغنام في جنوب لبنان، وبظهور الفياغرا قرر بلطجية الترويج لتلك النبتة كمحفز جنسي يضاهي الفياغرا ونشرت الصحف العربية إعلانات كثيرة عنه بل وتم عرضه في العديد من الصيدليات، وانتهت الهوجة بعد سنة واحدة بعد أن اكتشف من تعاطوا مسحوق تلك النبتة أنها فعالة فقط في فك الإمساك.

ومازالت تطالعنا في عشرات المطبوعات إعلانات من ذلك القبيل، وكلها تبدأ بالزعم بوجود مستحضر يعالج العجز الجنسي، وبداهة فإنه أمر مثير للريبة أن تكون هناك خمس أو عشر جهات كل واحدة منها تبيع خلطة خاصة بها تؤدي إلى نفس النتيجة، ومنذ ظهور الفياغرا راجت الإعلانات عن المنشطات والمحفزات الجنسية حتى لتحسب أن العجز الجنسي متفش وبائيا بيننا، او انه لا شاغل لنا سوى قدرات الرجال الجنسية، بل نزلت عيادات طبية مرخص لها بممارسة التطبيب الساحة بنشر إعلانات عن اختصاصيين في شؤون الجنس.

وأمامي الآن بضعة إعلانات من بقالات عشبية تطلق على نفسها مسميات توحي بأنها جهات طبية معترف بها، وتزعم أربعة منها أنها تملك «كريما لتبييض البشرة من مرة واحدة»، دعك من أن الإعلان يوحي بغباء من يقومون بتسويق ذلك الكريم، لأنهم يقولون إنك بحاجة إلى شرائه مرة واحدة فقط، طيب وبعد أن نصير جميعا ذوي بشرة فاتحة، ما مصير شركتكم أو مصنعكم؟

المهم لو أن هذا الكريم فعلا فعال، فإنه يعني أن أبا الجعافر يشتريه ويمسح به جسمه مرة واحدة فيصبح مثل مايكل جاكسون، أبيض بملامح افريقية فيضطر الى إجراء جراحة على الأنف حتى يخفف من تلك الملامح!! ولكن مالها البشرة السمراء حتى تصبح صناعة كريمات «التفتيح» رائجة؟ والسؤال ليس موجها إلى شركات إنتاج وتسويق ما يسمى بكريمات تفتيح البشرة، بل إلى من يشترونها من السمر والسمراوات، وهناك خميرة لتكبير الوجه وتحمير الخدود!! أولا لماذا يسعى إنسان عاقل إلى تكبير وجهه؟ ثانيا كم النسبة التي سيكبر بها وجهي إذا استخدمت تلك الخميرة؟ وما المقصود بتحمير الخدود؟ هل المسألة فيها زيت وبصل وثوم ونار هادئة أو مشعللة؟ أم المقصود هو جعل الخدود حمراء؟ وهب أن تلك الخميرة تجعل الخد بالفعل احمر اللون، ما المكسب من وراء ذلك؟ وهل إذا استخدمت أنا جعفر عباس السوداني تلك الخميرة ستجعل خدودي حمراء؟ طيب ماذا افعل ببقية وجهي؟ ثم إن الخدود الحمراء فيما قيل لنا هي علامة الخجل، فهل الخجل صفة جمالية أم خصلة جميلة؟ وهل يعرف مروجو تلك السلعة أن الخجل غير الحياء؟ وهل سمعت بالبودرة الخاصة بتبييض الأسنان؟ هذه لا بأس بها، فالأسنان البيضاء جميلة ودليل عافية، ولكن تلك البودرة – بحسب ما يقول الإعلان الخاص بها – تعود على المستخدم بمكسب إضافي لأنها تؤدي إلى احمرار اللثة!! احمرار الخدود، وعرفناه! ولكن أن يكون احمرار اللثة ذا قيمة جمالية فهذا دليل إصابة صاحب الإعلان بخلل في الغدد الذوقية!! فاللثة ليست جميلة سواء كانت حمراء أو كحلية، وفي معظم الأحوال فإنك لا ترى لثة شخص آخر ما لم يتثاءب أو يفتح فمه بطريقة مقززة أثناء الأكل، وعلى حبي للشعر، وعلى كثرة شعر الغزل، فإنني لم اقرأ سطرا واحدا لشاعر يتغزل بلثة الحبيبة، لأن اللثة عند جميع الناس، تشبه شارعا مسفلتا أهملت السلطات أمره لعدم وجود بيت لمسؤول رفيع يطل عليه فامتلأ بالمطبات والحُفر.

والشاهد أن باعة الوهم يسوقون بضاعتهم بلا رقيب او رادع، ويزعمون أن خلطاتهم وخمائرهم تعالج كل شيء، في مناخ يعتقد فيه العوام أن الأعشاب لا تضر حتى إذا لم تكن ذات قيمة دوائية.. وهذا هو «الوهم» بعينه.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news