العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

هــــــل مــــن حقنــــــا أن نـيـــــأس؟

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

بعد أن ولدت وليدها الوحيد، أخذها زوجها من يدها هي ووليدها، وغادر من بلاد الشام فسار بهم جنوبًا إلى منطقة صحراوية، لا ماء فيها ولا نبات ولا شيء، فضاء ورمال مترامية تمتد على مد البصر، أوصلها هناك وغادر وتركها هي ووليدها، ترى ماذا يمكن أن تفعل؟

هل تعتقد أنها قصة خيالية؟ أم فيلم هوليودي أم هندي؟ لا والله إنها قصة حقيقة حدثت في زمن لا يوجد به وسائل الاتصالات، وهي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وقصة اسماعيل والسيدة العظيمة هاجر عليهما السلام، فكيف ذلك؟

هكذا ببساطة بعدما ولدت له هاجر ابنه البكر اسماعيل عليه السلام وبعد سنوات انتظار طويلة، جاءته عليه السلام أوامر الله سبحانه أن غادر بلادك حيث الراحة والغذاء والشراب، غادر أنت وزوجتك وابنك البكر، هكذا من غير سابق إنذار، ونحسب أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يعلم إلى أين المسير، فسار ربما عدة أيام أو عدة شهور، وعندما بلغ المكان المطلوب وهو (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) كما وصفه الله سبحانه في سورة إبراهيم – الآية 37 على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام، بركت الإبل، بعد ذلك جاءته الأوامر أن أترك زوجتك وابنك في هذا المكان الموحش وعد إلى موطنك، هل يمكن أن نتصور هذا المشهد؟

نحسب أن هاجر راجعته في الأمر مرات ومرات، ولكنه أصر على المغادرة فقالت، كما تشير الروايات: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ إلا أنه لم يستطع التحدث بسبب تضارب الأفكار والعواطف التي كانت تجيش في نفسه، وعندها أدركت أن الموضوع أكبر من سيدنا إبراهيم نفسه، قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: «إذن لا يضيعنا».

أي مشاعر وأي أحاسيس، وأي إيمان، حقًا إنها امرأة عظيمة، ولكن هل انتهت القصة عند ذلك؟ لا، ولكن بعد عدة أيام، وبعد أن انتهى الماء الموجود بين يديها والذي جاءت به، شعرت بالعطش وكذلك ولدها عليهما السلام، تقول الرواية «فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ استقبلتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ؛ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إذا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، [أي ثوبها] ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ [المتعب] حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ؛ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ».

فلنتصور ماذا تفعل هاجر في الظهيرة، والشمس والحر، وهي عطشى ومن غير ماء، تسمع وليدها تصيح من العطش، وتركض على الحصى والرمال الحارة، سبع مرات، وتقدر المسافة بين الصفا والمروة بحوالي 394.5 مترا، وهذا يعني أن المسافة الإجمالية التي سارتها السيدة هاجر تقدر بحوالي 2761.5 مترا، هل يئست أو تذمرت أو كفرت وتنكرت لأنعم الله؟

ونحن اليوم عندما نذهب للعمرة أو الحج، ونسعى بين الصفا والمروة وفي جو مكيف ونسير على الرخام، ومن غير ضغط نفسي أو عصبي ومن غير مجهود كما كانت تفعل السيدة العظيمة أم اسماعيل عليهما السلام، ومع ذلك نتذمر ونتأفف، ولا أعرف لماذا؟

عندما أذهب إلى العمرة وفي الصفا والمروة دائمًا أتذكر هذه الحكاية، كيف استطاعت هذه الإنسانة أن تصمد أمام تلك الظروف، على الرغم من أن كل الظروف كانت تسير ضد رغباتها ومشاعرها، لماذا لم تيأس؟

تذكرت هذه القصة عندما كنت قبل فترة قصيرة مع صديق يحدثني أنه كيف تم ركنه وكيف يتم تجاهله في الإدارة التي يعمل بها بسبب بعض الاختلافات في العمل بينه وبين المسؤول الذي يرأسه، وعندما سألته ماذا سيفعل سألني: هل تتوقع أن يجري أي شيء في هذا الكون من غير إرادة الله سبحانه؟ قلت: لا، فكل الأحداث صغيرها وكبيرها لا تسير إلا وفقًا لرغباته سبحانه وإرادته.

قال: حسنٌ، فلماذا أخشى من المسؤول أو غيره، والله هو مسير الأمور، وهذه ليست سلبية، وإنما سأقوم ومن خلال الإجراءات الإدارية والقانونية بتوضيح الأمور للمسؤولين ولن أسكت عن حقي، وأترك الباقي على الله سبحانه فهو مسير الكون، وللكون رب يحميه، ولا يأس مع الحياة، كما قال مصطفى كامل.

نعم، لا يأس مع استمرارية الحياة، عندها ذهبت أفكر ترى ما الذي يؤدي إلى اليأس؟ ولماذا نيأس؟ وهل اليأس حالة نفسية نعيشها؟ وهل يمكن أن تستمر؟ وإن استمرت إلى أي مدى يمكن أن تستمر؟ 

تشير أدبيات علم النفس إلى أن اليأس هو شعور داخلي يصيب الروح والعقل معًا، فيشعر الشخص بالحزن وعدم الراحة والإحباط وفقدان الأمل بالحياة وفقدان القدرة على إمكانية تغيير الأحوال، وربما يقود اليأس الشخص إلى الدخول في حالة من الاكتئاب مما يستدعيه ذلك إلى زيارة الأطباء النفسيين في سبيل الخروج منها وإعادة الشعور بالاستمتاع بالحياة مجددًا. وإن كانت تلك الأدبيات تشير إلى أن اليأس يُعد من الأمراض النفسية العارضة، إذ إن هذه الأمراض غدت منتشرة بشكل كبير في العصر الحديث، وهو مرض نفسي غير خطير في أوله ولكن إن لم يعالج فقد يصبح اليائس خطيرًا على نفسه لأنه قد يؤدي إلى التفكير بالانتحار أو إيذاء النفس.  

وكذلك يعرف اليأس بأنه الحالة التي يفقد فيها الشخص الثقة بإيجابية الأحداث الراهنة أو المستقبلية، ومن ناحية طبية، فإن اليأس يعرف بأنه الحالة الشخصية التي تسيطر على الفرد فتجعله يرى أنه مقيد، وأن الخيارات المتاحة محدودة أو غير مشتملة على بدائل، وبالتالي فإن هذه الحالة قد تمنع الشخص من شحن الطاقة الذاتية، ويشار إلى أن اليأس قد لا يكون مرتبطًا بمشاكل صحية خطيرة، ومن الممكن علاجه عند بعض الأشخاص من خلال توفير بيئة محيطة مفعمة بالإيجابية، والتركيز على زيادة الاستقلالية والثقّة بالنفس.

واليأس من الناحية اللغوية هو نقيض الرجاء أو قطع الأمل، يئس من الشيء ييأس وييئس؛ والمصدر اليأس واليآسة واليأَس، وقد استيأس وأيأسته وإنه ليائس ويئِس ويؤوس ويَؤُس، والجمع يُؤُوس.

واليأس قصة غير مطلوبة فهو شعور قاتل، لذلك فإنه غير مطلوب أبدًا، فقد قال تعالى في سورة الحجر – الآيات 55، 56 (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ • قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ).

وفي سورة الزمر – الآية 53 يقول تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحِيمُ)، والقنوط هو اليأس وربما هو أشد أنواع اليأس.

وللأسف لم نجد دراسات علمية تحتوي على أرقام وإحصائيات تبين لنا كم هو حجم اليأس الذي يعيشه أبناء الوطن العربي، وبصفة خاصة في أوساط الشباب والنساء، ولكننا نشعر بأن مشاعر اليأس مستشرية بين معظم شرائح المجتمع، فمن الناحية السياسية والعسكرية فإن الوطن العربي يقبع في ذيل قائمة الدول، ليس ذلك فحسب وإنما تُعد الدول العربية من الدول التابعة للقوى العظمي فهي دول لا تملك قراراتها بنفسها، إذ إنها لا تنتج غذاءها أو تلك القدرة على التحكم في مياهها أو مواردها الطبيعية.

في الوطن العربي زُرع سرطان بين خلاياها، وهي مجموعة من عصابات الأرض، تجمعت في وطننا في فلسطين وللأسف غدت هذه المجموعات ذات سلطة وسطوة، فهي تخيط وتتخذ القرارات وتنفذها، وتعربد ولا يوجد من يحاول أن يردها.

في الوطن العربي، لا توجد خطط استراتيجية طويلة المدى إلا في بعض الدول، لذلك فالشعوب العربية – معظمها – لا تعرف إلى أين يمكن أن تسير، وما المستقبل الذي ينتظرها.

الشباب في الوطن العربي يدخل المدرسة ومن ثم يتخرج ويدخل الجامعة وهو لا يعرف إن كان سيجد الوظيفة التي تناسبه أم لا، ومعظمهم يعملون في أعمال ووظائف لا تتناسب مع تخصصاتهم، وذلك لأسباب عدة منها عدم وجود توجيه لطاقات الشباب ولا توجد خطط لاستيعابهم، ولا توجد أنشطة ووسائل لاحتضان قدراتهم وإبداعاتهم ومواهبهم، وحتى الوظائف المتاحة اليوم فهي أقل بكثير من قدراتهم وإمكانياتهم.

الشباب في الوطن العربي طاقات مهدرة، عندما يريد أن يرفه عن نفسه يذهب إلى المجمعات التجارية – فقط – من أجل إهدار الوقت، أو إلى المقاهي لقتل الوقت مع السجائر والشيشة.

الدراما في العالم العربي كئيبة، سوداء، بكاء ونواح، وإن تغيرت الأمور فإنها تتحدث عن ميوعة الشباب والمخدرات والبويات وشواذ الناس في المجتمع وتبرزهم وكأنهم أفضل ما في الوطن العربي. أما المسارح فقد غدت سخرية واستهزاء وضحكا على لون البشرة والشعر الناعم، وما إلى ذلك من خلال الكثير من الألفاظ البذيئة والخارجة عن الحياء.

لا يوجد في الوطن العربي صناعة كتاب، فالكاتب يكتب ولا يجد من يقوم بالنشر، فتتراكم المؤلفات وتموت الأفكار والإبداعات، وعندما تذهب لمعارض الكتب تجد أن معظم القراء هم قراء الروايات فقط، أما بقية العلوم فلا تجد لها مشجعين.

لا يوجد في الوطن العربي صناعة للمواد الغذائية، لا توجد صناعة إبداع، لا توجد صناعة ابتكار، لا يوجد أي نوع من الصناعات، نستورد كل شيء، من الإبرة حتى الصاروخ، مرورًا بالأخلاق والقيم والمبادئ التي أصبحنا نستوردها من الغرب، فتارة يلبس شبابنا البنطلونات الممزقة، وتارة تنزل تلك البنطلونات إلى ما تحت الخصر، وتارة لا أعرف كيف، موضات وموضات من الشرق والغرب.

فهل كل هذا يدعو إلى الشعور باليأس العام؟ ولكن إلى أين؟

وعكس اليأس التفاؤل، ولكن كيف يمكن أن نتفاءل في مثل هذه الأوضاع؟

يقول جديّ، ليس جديّ أنا وإنما جد أحد أصدقائي: عندما تضع السكر في الشاي، وتنسى أن تقلبه، فكيف يكون طعم الشاي؟ من الطبيعي أن تقول إن الشاي مر، ولكن هذا لا يعني عدم وجود السكر، فالسكر موجود، وإنما يحتاج فقط إلى تحريك الشاي حتى تظهر حلاوة السكر. 

يواصل ويقول: هكذا الخير والتفاؤل، موجودان في النفوس وإنما كل الذي عليك – أنت وأمثالك من كتّاب ومفكرين – أن تحرك هذا الخير وهذا هو التفاؤل في النفوس، عندئذ ستجد أن الخير والتفاؤل سيعمان المجتمع، وسيتحول مجتمعنا من التشاؤم إلى التفاؤل.

قال في الختام: ما أنبل قطعة السكر التي أعطت الشاي ما لديها ثم اختفت، وهكذا أهل المعروف كقطعة السكر ما إن يتركوا الأثر الطيب في المجتمع يختفون، فهم لا يحتاجون إلى مصافحة أو جوائز، فكن منهم.

وربما أختم كلامي بالحكمة التي أؤمن بها والتي تقول «على الرغم من كل هذا الشوك، إلا أن هناك دائمًا وردة».

ونهديكم أجمل وردة أمل وتفاؤل في الحياة. 

Zkhunji@hotmail.com

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news