العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

«النهضة» التونسية أمام امتحان سياسي

تشهد الساحة التونسية ما بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة وضعا سياسيا من نوع آخر حتى وإن كان هذا الوضع يندرج من حيث المبدأ في إطار الصراع السياسي بين الأحزاب التونسية بمختلف توجهاتها الفكرية والعقدية، ففي الآونة الأخيرة، وتحديدا بعد إعلان  نصيب الأحزاب من أعداد المقاعد البرلمانية التي أسفرت عنها انتخابات الغرفة التشريعية (البرلمان)، حيث تحدثت حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي بصراحة عن «حقها» في رئاسة الحكومة التونسية القادمة أيضا كونها الحزب الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية الأخيرة (فازت بــ52 مقعدا)، وترى أن من حقها دستوريا أن ترأس الحكومة.

مطلب «النهضة» هذا يعني وضع السلطتين التشريعية والتنفيذية بأيدي الحركة، بعد حصولها على رئاسة البرلمان، الأمر الذي توجست منه العديد من الأحزاب التونسية، بل ورفضته علنا حين دخلت حركة النهضة في مفاوضات معها من أجل تشكيل ائتلاف نيابي يمكن «النهضة» من تشكيل الحكومة التونسية القادمة الأمر الذي يعقد من محاولة الحركة تحقيق ذلك، أي تشكيل الحكومة القادمة، بل ورئاستها، وقد ظهرت أولى هذه الصعوبات حين رفض «التيار الديمقراطي» الذي فاتحته الحركة بشأن هذا الائتلاف، إسناد رئاسة الحكومة إلى «النهضة» وطالب عوضا عن ذلك بإسنادها إلى شخصية غير حزبية، وهو ما رأت فيه النهضة مطلبا «تعجيزيا».

القيادي في حزب «التيار الديمقراطي» محمد العربي أكد أن حركة «النهضة» قد اتصلت بالحزب واقترحت التحالف معه في البرلمان، لكن «التيار» أبلغ «النهضة» أن «مكانه الطبيعي في المعارضة لأنه لا يثق في الحركة التي تسترت سنوات على الفساد»، لكن «النهضة» ترد على ذلك على لسان القيادي فيها نور الدين العرباوي بالقول إن «التيار الديمقراطي» و«حركة الشعب»، التي فازت بـ16 مقعدا، «يعطلان سير المفاوضات بالإصرار على ألا تكون رئاسة الحكومة لحركة النهضة»، هذه المواقف تفسر وتؤكد صعوبة بلوغ الحركة الهدف الكبير الذي تسعى إليه، وهو رئاسة الحكومة التونسية لأول مرة في مشوارها السياسي.

بموقف «التيار الديمقراطي» الذي تسعى الحركة لتشكيل أغلبية برلمانية معه (التيار فاز بــ22 مقعدا)، يضع الحركة أمام صعوبات تحول دون تحقيق أمنيتها السياسية إذ سيكون من الصعب عليها تحقيق الائتلاف المطلوب، وهذا يعني ان الحركة عليها السعي لإيجاد التوافق مع أطراف سياسية أخرى لتتمكن من تحصيل الغالبية المطلوبة لأجل تشكيل الحكومة التي تحتاج إلى أغلبية 109 أصوات في البرلمان، وفق ما ينص عليه الدستور التونسي، مع الإشارة هنا إلى أن غالبية الكتل النيابية ليست على توافق تام مع التوجهات الفكرية والعقدية لحركة «النهضة».  

فاستمرار عجز الحركة عن تحصيل الغالبية البرلمانية المطلوبة قد يفقد الحركة حظوظها في هذا الشأن، فالوقت لا يسير في صالحها، وفق ما تظهره مؤشرات ونتائج اللقاءات والمشاورات التي تخوضها «النهضة» مع الكتل النيابية التي تعتقد الحركة بوجود إمكانية التفاهم معها، وخاصة أن الدستور التونسي يعطي الحزب الفائز مهلة شهر واحد لتحقيق ذلك على أن  يجدد التكليف مرة واحدة، وإذا فشل هذا الحزب تسند المهمة إلى البرلمان للتوافق على رئيس الحكومة، فإذا أخفق البرلمان في ذلك واستمر الفشل مدة أربعة أشهر بعد الإعلان النهائي لنتائج الانتخابات، يقوم  رئيس الجمهورية بالدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة.

ولكن إذا فشلت حركة «النهضة» التونسية في رئاسة الحكومة، فإن ذلك لا يضير التجربة الديمقراطية التونسية، الناجحة حتى الآن، ولا يقلل من النجاح السياسي الذي حققته هذه الحركة «الإسلامية» بفوزها بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكذلك حصولها على رئاسة البرلمان، وفي اعتقادي أن المشكلة التي تقف عائقا أمام بلوغ «النهضة» مطلبها السالف الذكر لا يكمن في المناكفة السياسية من جانب بعض القوى التي ربما تجد بعض المفردات المشتركة أو القريبة مع «النهضة»، وإنما في كيفية خلق الثقة مع حركة تمثل تيار الإسلام السياسي، ذلك أن هناك انطباعا سائدا في أوساط وشرائح واسعة من المجتمعات أن أحزاب قوى الإسلام السياسي غير صادقة في تعاملها مع العملية الديمقراطية وإنما تستخدمها كمطية لبلوغ أهدافها الاستراتيجية التي تتعارض مع مبادئ الديمقراطية، وفي مقدمتها التعددية السياسية والفكرية وصون الحريات الخاصة والعامة. 

أيًّا يكن مصير الطموح السياسي لحركة النهضة في رئاسة الحكومة التونسية القادمة، فإن هذا الطموح يبقى مشروعا شأنه شأن طموح أي من الأحزاب التونسية المشاركة في العملية السياسية بكل توجهاتها الفكرية، فالخلاف السياسي والأيديولوجي، هو خلاف مشروع وصحي إذا ما صدقت النوايا السياسية، فالشرط الوحيد لإبقاء هذه الخلافات في إطار التنافس المشروع، هو الالتزام بالدستور التونسي واحترام الإرادة الشعبية والحريات العامة والشخصية بعيدا عن التسلط الفكري أو الأيديولوجي وغير ذلك.

 

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news