العدد : ١٥٢٣٩ - الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٩ - الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

غزل بالتاريخ

أعتقد أن كتب التاريخ هي الأكثر إمتاعا، بشرط الا تكون عن التاريخ العربي، الذي تستفز قراءته العقل والحواس من فرط تعرضه للتزوير؛ أشياء حدثت قبل خمس سنوات تجدها مدونة في كتبنا حاوية عجائب تجعلك تشك في قواك العقلية، أو تحسب أن كتب التاريخ عندنا تم إعدادها في بوليوود، عاصمة السينما الهندية، وشغفي بالتاريخ جعلني أدمن الأفلام السينمائية التاريخية والوثائقية، وسعدت كثيرا لأن الشغف بالتاريخ انتقل إلى أكبر أبنائي الذي – استطيع ان أزعم- قرأ جميع الكتب المرجعية غير المزورة عن تاريخ العالم.

وبالمناسبة، فلأنني اكثر الحديث عن مقدمات البرامج في الفضائيات العربية فإن ذلك يعطي الانطباع بأنني كثير المشاهدة للتلفزيون، ولكن ذلك غير صحيح، لأنني وبعون الله وفضله: (صنت نفسي عما يدنس نفسي، وترفعت عن كل زفت ورجس، وقاطعت كافة القنوات العربية الرسمية والأهلية، وأتابع بعض القنوات الأجنبية بانتقائية شديدة)، ولأنني درست في المرحلة الثانوية تاريخ أوروبا القديم والحديث، وكنت من الجيل الذي تفتح وعيه على نتائج الحرب العالمية الثانية، فقد كنت ومازلت شغوفا بتاريخ ألمانيا النازية الهتلرية، وكان من بين الأفلام التي أعجبتني كثيرا في شبابي الباكر، فيلم محكمة نورمبيرج، ويتعلق بمحاكمة بعض مساعدي هتلر عقب هزيمة النازية، وقد فاز بالأوسكار، وذهبت إلى السينما في مدينة كوستي في أواسط السودان لمشاهدة الفيلم، ربما للمرة الرابعة، وأسعدني عدم وجود عدد كبير من المشاهدين، وبدأ الفيلم وتوالت أحداثه، ومعظمها مرافعات داخل المحكمة، فإذا بالأصوات تعلو في المقاعد الشعبية: ولع النور (الإضاءة) خلينا نطلع، ثم تطايرت الكراسي والزجاجات الفارغة صوب الشاشة، على صيحات تشابه صيحات المصريين «سيما أوانطة/ هاتوا فلوسنا»، وتم استدعاء الشرطة واتضح ان الجمهور محتج لأن الفيلم «تافه» وليس فيه آكشن أو حرب، وكله «كلام ساكت»، والكلام الساكت كما يعرف من يفهمون العامية السودانية هو الكلام الفارغ عديم المعنى، وكنا في تلك المدينة نتوجه إلى دار السينما في أول المساء فإذا وجدنا عندها طوابير يتزاحم فيها الخلق عدنا إلى بيوتنا لأن الازدحام غالبا ما يكون على فيلم هندي أو فيلم كاوبوي سخيف؛ والعكس صحيح، أي ان عدم وجود تزاحم على شبابيك التذاكر في دار السينما كان دليلا على ان هناك فيلما عليه القيمة.

وأذكر أنني اصطحبت ذات مرة أصغر عيالي مروة ولؤي (كان عمرهما تسع وست سنوات على التوالي) إلى السينما لمشاهدة فيلم بيرل هاربر، الذي يحكي كيف دمر اليابانيون الاسطول الأمريكي في المحيط الهادي في أوائل أربعينيات القرن الماضي، مما قاد إلى سلسلة من ردود الأفعال الأمريكية انتهت بالجريمة المروعة التي تمثلت في ضرب جزيرتي هيروشيما ونجازاكي بالقنابل النووية، وكان الفيلم مبهرا بكل المقاييس، أي كان عملا ضخما ذا فنيات عالية وبلغت تكاليفه اكثر من نصف مليار دولار: مئات الطائرات تعلو وتهبط والانفجارات تدوي في أركان القاعة، وطيارو الكاميكازي اليابانيون (الانتحاريون) يقتحمون السفن الحربية الأمريكية بطائراتهم (وأعتقد أن جماعة بن لادن أخذوا فكرة ضرب برجي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر من عام 2001 من اليابانيين) المهم: ضرب وعويل ومئات الجنود الأمريكيون يولولون طلبا للنجدة، و.. لؤي نايم (على وزن «وأنا أعيط»)، ولدي الذي هربت به من المناهج المدرسية العربية العقيمة، إلى المنهج البريطاني، صونا لكرامة عقله، والذي أردت له ان يفهم جانبا مما يسمى بالحرب العالمية الثانية، وما يتردد من أن أحداث واشنطن ونيويورك الأخيرة تشبه معركة بيرل هاربر، ولدي هذا، نائم والدنيا مقلوبة من حوله! وكلما علا دوي الانفجارات فتح عينا واحدة ليحافظ على النوم مخزونا في العين الثانية وسألني: باقي كم على الفيلم؟ او: ممكن اشتري فشار؟ واحضر له الفشار والكولا فيأخذ قضمة وشفطة ثم يميل رأسه على كتفي، وعندما علا شخيره وزفيره أيقظته بغلظة وقلت له: إما ان تتابع معنا الفيلم أو أنقلك إلى مدرسة عربية!! ومنذ تلك اللحظة لم يعرف النوم طريقه إلى عينيه!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news