العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التنمية المستدامة.. مسؤولية من؟ الحكومة أم القطاع الخاص أم المجتمع؟ (1)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

قلما نجد مسؤولا حكوميا أو كاتبا أو خبيرا أو محللا اقتصاديا أو مديرا في شركة أو مؤسسة أو نائبا برلمانيا يتحدث في اجتماع عام أو يكتب مقالا لا يذكر مصطلح التنمية المستدامة ولا يحث ويدعو، أو يعلن سعيه للإسهام في تحقيقها بجميع بلداننا العربية من دون استثناء، وقد يكون ذلك تعبيرا عن الإيمان بأهمية وضرورة الوصول إليها في المرحلة الراهنة بشكل خاص، باعتبارها الخيار الأمثل والوحيد الآمن لحياة كريمة مستقرة لمجتمعاتنا، والسلاح الأهم لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية التي تتصاعد أوزارها وتداعياتها وتنذر بمستقبل صعب لبلادنا العربية. ولكن يبقى السؤال الذي ينبغي الإجابة عنه أولا وقبل الشروع بمتطلبات تحقيق التنمية المستدامة، هو: التنمية المستدامة، مسؤولية من؟ الحكومة أم القطاع الخاص أم المجتمع؟ ولرب قارئ يقول إنها مسؤولية الجميع، نعم هي كذلك، لكن هذه الإجابة تميع المسؤولية، وتضيع الهدف، وتجعل منال تحقيقها بعيدا، نقول ذلك ونحن نتأمل جلسات المؤتمر الثامن عشر لأصحاب الأعمال والمستثمرين العرب، والمنتدى العالمي الثالث لرواد الأعمال والاستثمار، الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة البحرين من 11 حتى 13 نوفمبر الجاري، برعاية كريمة من صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، وتفضل بافتتاحه نيابة عن جلالته صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الموقر. ومما ينبغي الإشارة إليه ابتداء أن المملكة سبق أن استضافت الدورة الثانية للمنتدى العربي الرفيع المستوى حول التنمية المستدامة خلال الفترة (5-7) مايو/ 2015 والذي اعتمد وثيقة البحرين حول التنمية والتي تم تضمينها في الوثيقة الختامية التي أقرها مؤتمر قمة الأمم المتحدة في سبتمبر/ 2015، وكانت بعنوان (تحويل عالمنا: خطة التنمية المستدامة لعام 2030)، إضافة إلى المبادرات الساعية للترويج ودعم تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ومن أهمها: (جائزة الملك حمد لتمكين الشباب لتحقيق أهداف التنمية المستدامة) التي تعتبر الجائزة الأولى والفريدة من نوعها، كمساهمة من مملكة البحرين لشباب العالم، وبالتعاون مع الأمم المتحدة. علاوة على عدة مشاريع تفاعلية يتم من خلالها ليس فقط التعريف بالأهداف التنموية بل أيضًا إشراك الشباب في التخطيط لتنفيذ الأهداف، مثل مؤتمر الشباب العالمي، والمنتدى العالمي لرواد الأعمال والاستثمار، وورشة العمل النقاشية الأولى حول تحقيق التنمية المستدامة بمشاركة نحو (280) ممثلا عن منظمات المجتمع المدني، وذلك في يوم (14) أبريل /2018، ثم لحقها يوم (15) أبريل من العام نفسه انطلاق ورشة العمل النقاشية للقطاع الخاص لإعداد التقرير الوطني الطوعي لأهداف التنمية المستدامة للبحرين 2030. وغيرها من المبادرات والمؤتمرات التي عقدت بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة المختصة، وقدمت مملكة البحرين تقريرها الوطني الطوعي الأول لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030 إلى الاجتماع السياسي الرفيع المستوى التابع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في نيويورك في يوليو 2018، تعبيرا عن التزامها السياسي بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030 وخاصة أنها شاركت بفعالية في صياغتها على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، الأمر الذي يعبر عن جدية مملكة البحرين في تحقيق التنمية المستدامة، وإدراكها التام لفواعل ومسؤولية تحقيق التنمية المستدامة، ولا سيما أنها في قمة أهداف الرؤية الاستراتيجية لمملكة البحرين 2030.

وقبل مناقشة الإجابة التفصيلية عن سؤال وعنوان مقالنا، ومن واقع سير مؤتمر أصحاب الأعمال والمستثمرين العرب، لا بد ان نوضح مفهوم وأهمية ومتطلبات التنمية المستدامة وأبرز مؤشراتها. فقد عرفت التنمية المستدامة Sustainable Development بأنها تنمية توفق بين التنمية الاقتصادية والتنمية البيئية والاجتماعية، فينشأ عنها وضع يتميز بالفاعلية والكفاءة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والتلاؤم مع المحددات البيئية، أي أنها التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر من دون المساس بقدرة المستقبل والأجيال القادمة على ضمان احتياجاتها، فهي تضع اشتراطات وموجهات على عمليـات تطوير الأراضي والمدن والمجتمعات وكذلك الأعمال التجاريـة، وذلك في إطار ثلاثة أبعاد رئيسية هي: 

البعد الاجتماعي: الذي يركز على أن الإنسان محور التنمية المستدامة التي ينبغي أن تؤدي إلى تحسين مستوى الرعاية الصحية والتعليم والرفاه الاجتماعي والتشغيل والحد من البطالة، وأن تؤدي إلى توزيع عادل للثروات وللتنمية المحلية والإقليمية.

البعد الاقتصادي: يركز على ان استغلال الموارد الاقتصادية في العصر الراهن ينبغي ألا يقلل من الدخل الحقيقي في المستقبل. وبناء عليه فإن السياسات الاقتصادية الحالية يجب أن تصاغ بحيث لا يستحوذ الجيل الحالي على الموارد الناضبة، الأمر الذي يستلزم أن يوجه جزء من عوائدها إلى تنمية موارد جديدة تتميز بالاستدامة، تدر عوائد مناسبة لأجيال المستقبل، مما يتطلب تأهيلا عاليا للموارد البشرية الراهنة لتتعامل بكفاءة مع الموارد الاقتصادية المتاحة. 

البعد البيئي: يتمثل بضرورة استخدام الموارد الطبيعية المتجددة بطريقة لا تؤدي إلى فنائها أو تدهورها، أو تناقص جدواها بالنسبة للأجيال المقبلة، أي الحفاظ على التربة والمياه الجوفية وجمال الطبيعة، ونظافة الهواء والحد من تغير المناخ، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وغيرها.

وبشكل عام يعد التزام إدارة المنشآت المختلفة بالتنمية المستدامة قضية ذات أهمية متزايدة في عالم الأعمال ترتبط بتنامي المسؤولية الاجتماعية والبيئية للشركات، وأن تحسين استدامة الشركات يعطي قيمة مضافة لأعمالها، فهو يؤثر تأثيرًا مباشرًا على النتائج النهائية لأدائها، ويساعد على ضمان التنافسية المستقبلية، ويزيد من إشراك الموظفين وأصحاب المصلحة في قرارات الشركة، بينما يؤدي الفشل في تبني ممارسات الاستدامة إلى ضياع الفرص لتحسين الأداء التجاري وخسارة رهان الأسواق. ومن تلك المرئيات نجد أن التنمية المستدامة فرصة تاريخية مميزة تتيح من الناحية الاقتصادية إقامة وتفعيل الأسواق وتوسيع فرص العمل، ومن الناحية الاجتماعية تضمن دمج المهمشين في المجتمع ومن موقع قوة لا ضعف، ومن الناحية السياسية تمنح الجميع فرص المشاركة في البناء السياسي وفي رسم مسار المستقبل. وللموضوع بقية في مقال قادم إن شاء الله.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news