العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

تعلموا لغتهم لتأمنوا شرورهم

كنت على الدوام من أنصار تعلم لغة أجنبية أو أكثر، وأصبحت في الآونة الأخيرة من أقوى أنصار التركيز على تعليم الانجليزية في مدارسنا، بعد ان أصبحت الانجليزية وبلا منازع لغة صناعة المعلومات (الإنترنت) وصناعة الترفيه وبالتحديد التلفزيون، فمن أراد ان يتابع برامج تلفزيونية لأغراض تعليمية أو ترفيهية فلا سبيل إلى ذلك أمامه سوى البرامج الأمريكية أو البريطانية، والبديل هو البرامج العربيزية التي تقدمها مثيلات وأمثال رزان مغربي بخليط من الانجليزية واللهجة اللبنانية، ويبدو أنه وكما انتصرت اللغة الانجليزية على بقية اللغات العالمية، واصبح تعلمها ضرورة من الصين إلى بيرو، فليس من المستبعد ان تنتصر اللهجة اللبنانية على اللهجات الأخرى والفصحى كلغة التخاطب عبر شاشات التلفزة العربية، ويعزز من فرص انتصار اللهجة اللبنانية المحكية أنها مسنودة على الشاشات الفضية بإمكانيات بيولوجية، وفسيولوجية صارت فيما يبدو شرطا لمنح أي فتاة / امرأة فرصة الظهور على الشاشة.

ومن هذا المنطلق فقد حرصت على ان يجيد عيالي الانجليزية بوصفها أداة لنيل المعرفة، ولكن ليس كأداة للحذلقة والتنطع والتسطح الذي يكون بنثر المفردات الانجليزية بين العبارات العربية كما جرت العادة في العالم العربي، بعد ان توهم البعض ان ذلك يضفي عليهم رداء الثقافة والتثقف، وكما ان الشاعر «لم ير من عيوب الناس شيئا*** كنقص القادرين على التمام» فإنني لم أر عيبا أكبر من ان يداري شخص عربي عيّه اللغوي وبؤس محصلته من لغته الأم باستعارة مفردات وجمل من لغة أخرى برغم وجود ما يعادلها في لغته الأم، (سألوا رجلا حكيما لماذا تسمى لغات كل شعب باللغة الأم، فقال: لأن الأمهات يحتكرن الكلام ولا يجد الرجل فرصة في استخدام لسانه).

وسيقول من يعرفونني: لا تنه عن شيء وتأتي مثله! يقصدون أنني استعير أحيانا أثناء الحديث بالعربية مفردات إنجليزية، ولكن لي بعض العذر: فقد ولدت أعجميا، وناطقا باللغة النوبية، ولكنني جاهدت وناضلت حتى اصقل لساني العربي، حتى صار الوضع عندي مقلوبا، بأن أصبحت لغتي الفصحى أفضل من لغتي العامية، والى يومنا هذا فإن اصلي النوبي يفضحني إذا تحدثت طويلا بالعامية السودانية إذ قد أؤنث المذكر وأبهدل المؤنث، وعذري الآخر هو أنني نتاج منهج مدرسي بريطاني صرف، ودرست كافة المواد باللغة الانجليزية، وفي المرحلة الجامعية درست حتى الفكر الإسلامي باللغة الانجليزية، وكنا مطالبين بالاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف مترجما بالإنجليزية، وبعد التخرج ظللت أعتاش من اللغة الانجليزية بل وكنت عميلا بريطانيا حيث عملت ضابط إعلام في السفارة البريطانية في الخرطوم، ومع هذا فإنني لست راضيا عن لجوئي إلى المفردات الانجليزية أثناء الحديث بالعربية، حتى لو اقتصر استخدامي لها مخاطبة من اعرف تماما انهم يجيدونها، وعموما فلو لم أنجح في تعزيز إلمامي بالعربية والانجليزية لما تسنى لي دخول مجال الإعلام، فأكبر عار يلحق بمن يتخذ الاعلام مهنة أن يكون إلمامه بلغة التعبير ضعيفا.

يا عالم اسألوني عن معنى موت أي لغة لأن اللغة النوبية التي يفترض انها لساني الأم تعاني من سكرات الموت لأنها لم تعد مكتوبة، ولأن أبناءها وبناتها باتوا يتخاطبون بالعربية، ولم تعد النوبية تنتج ثقافة أو معرفة، وإذا ماتت العربية في الأفواه فإننا سنموت معها موتا معنويا، وعار علينا ان تبقى اللغة طي المصحف الشريف وحكرا للفقهاء، وإذا كان ثمة غزو ثقافي فأكبر مخاطره انه يروج للغة الغزاة، وإذا كان تكوينك اللغوي الأساسي هشا فانك ستنجرف وتصبح تحت رحمة الغزاة وتشتري بضاعتهم دون تمييز غثها من سمينها!

(بحكم أنني من أقوى أنصار تعلم الإنجليزية وبحكم أنني عملت في تدريس تلك اللغة في المرحلة الثانوية فإنني أتلقى بين الحين والحين أسئلة عن كيف يتمكن الانسان من تقوية إلمامه بها، والإجابة هي أن يمهد الانسان لذلك بأن يجعل الانسان الإنجليزية لغة شاشة الهاتف والكمبيوتر، وأن لا يستخدم قاموس إنجليزي- عربي، وأن يتابع القنوات التلفزيونية الناطقة بالانجليزية دون النظر إلى الترجمة المصاحبة وبعد وفوق كل هذا بالقراءة والقراءة والقراءة).

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news