العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

قانون القومية اليهودية.. ومحاولة تهميش اللغة العربية

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

صادق الكنيست الإسرائيلي في التاسع عشر من يوليو 2018 على قانون الأساس، (قانون القومية)، بأغلبية طفيفة، 62 عضوًا مقابل 55 عضوًا، وقد شمل هذا القانون أحد عشر بندًا أساسيا؛ حيث نصَّ صراحة على يهودية الدولة، وأنها دولة قومية للشعب اليهودي، وأرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، وعليها قامت دولة إسرائيل، التي يمارس فيها الشعب اليهودي حقّه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي لتقرير المصير، وهو حق مقصور على الشعب اليهودي، وأن عاصمتها الموحدة هي القدس، وأن اللغة العبرية هي لغة الدولة، وأن اللغة العربية لها مكانة خاصة في الدولة؛ واستخدامها في المؤسسات الرسمية أو في التوجه إليها سيكون بموجب القانون، ومن ثم نُزعت الرسمية عن اللغة العربية التي كانت اللغة الرسمية الثانية للبلاد بجانب العبرية قبل إصدار القانون.

وجاء هذا القانون في وقت تزايدت فيه أعداد اليهود المهتمين بتعلُّم اللغة العربية، فقد أكمل في عام 2011 حوالي 2013 طالبا 5 وحدات (وهي أعلى مستوى) في موضوع تعلم اللغة العربية في الثانوية العامة، وفي 2015، كان عدد هؤلاء الطلاب 2487 طالبًا، بينما ارتفع العدد في عام 2016 إلى 2829 طالبًا، وقل عدد الطلاب في 2017 بشكل مُفاجئ ليصل إلى 2371 طالبًا، وعاود الارتفاع مرة أخرى في 2018 ليصل إلى 2936 طالبًا، وذلك وفقًا للبيانات التي نشرتها صحيفة «إسرائيل هيوم».

والتساؤل الذي لا بد من الإجابة عنه بخصوص هذا الموضوع المهم: ما هي تداعيات إقرار قانون القومية اليهودية؟ ولماذا تزايد الاهتمام بلغة الضاد على الرغم من مصادقة الكنيست على هذا القانون؟

تاريخيا تعدُّ اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية الثلاث في فلسطين الانتدابية منذ عام 1922، وفق المرسوم الملكي رقم (82)، إضافة إلى الإنجليزية والعبرية، وبعد قيام إسرائيل حُذفت الإنجليزية كلغة رسمية، وبقيت العبرية لغة رسمية أولى، والعربية لغة ثانية على الورق على الأقل، وبمرور الزمن جُردت العربية من العديد من أهم مزايا اللغة الرسمية، وذلك بسن قوانين متعاقبة. 

وإزاء هذا القانون وجراء صدوره انقسم الوسط السياسي الإسرائيلي إلى مؤيد ومعارض، وتباينت ردود الأفعال تجاهه، فقد ذهب جزء من السياسيين الإسرائيليين إلى اعتباره قانونًا عنصريًا، يضر بـ«الدولة الإسرائيلية»، والهدف منه تحقيق مكاسب شخصية لرئيس الوزراء نتنياهو، والذي أشاد به باعتباره «لحظة حاسمة»، بينما يعتبر فريق آخر المصادقة على مثل هذا القانون نجاحا يُسجل لإسرائيل، نظرًا إلى أنه يُرسخ هويتها اليهودية، وهذا ما أشادت به صحيفة «إسرائيل هيوم»؛ حيث اعتبرته «مكسبا كبيرا يُجسد حق اليهود في دولة يهودية، تكفل لهم تقرير المصير بمفردهم، وترسخ هويتهم وتاريخهم»، وأضافت أن: «هذا القانون من شأنه أن يدعم أواصر التعاون والترابط بين إسرائيل واليهود في جميع أنحاء العالم، ويوثق روابط الأخوة بين كافة اليهود داخل إسرائيل وخارجها». 

في الواقع أن إسرائيل منذ قيامها حتى قُبيل المصادقة على قانون الأساس -قانون القومية- أقرت من خلال الكنيست قوانين كثيرة، صبّت في صالح سيادة الدولة العبرية، مثل: قانون الأحكام الجنائية والمدنية، وقانون الحكم العسكري، وقانون نقابة المحامين، وقانون الجنسية/المواطنة.. إلخ، ووفقا لهذه الحيثيات التاريخية يُعدُّ قانون القومية استمرارا لكل أشكال التمييز والممارسات العنصرية ضد العرب؛ حيث حولهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، وهذا الأمر ينم عن تضحية إسرائيل بديمقراطيتها مقابل ترسيخ هُويتها اليهودية، وهذا ما يُؤكده عضو الكنيست الصهيوني «ميراف ميخائيلي»، قائلا: «هذه اللحظة هي لحظة حزينة، عندما يصادق الكنيست على قانون باسم «قانون القومية»، لا يوجد فيه أي مساواة ولا ديمقراطية». كما أن صحيفة «جيرازوليم بوست» الإسرائيلية انتقدت بدورها «قانون القومية»؛ إذ ترى فيه ضررا للأقليات في إسرائيل ومساسا بالديمقراطية في البلاد، تقول: «إسرائيل التي تعرفونها انتهت، اشكروا بنيامين نتنياهو على هذا الصنيع... المصادقة على هذا القانون هي بمثابة الحداد على إسرائيل».

ويُعتبر «قانون القومية» بمثابة النكبة الثانية للفلسطينيين؛ نظرًا إلى آثار هذا القانون السلبية الذي يقر بأن «إسرائيل هي الوطن القومي لليهود، وأن القدس الموحدة عاصمتها، واللغة العبرية لغتها الرسمية الوحيدة، وأن دولة إسرائيل هي البيت القومي لكل يهود العالم، يؤسس لواقع جديد، وهو ما يفتح الباب لبرنامج تهجير آخر لفلسطينيي ثمانية وأربعين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويشكلون ربع سكان إسرائيل تقريبًا».

لقد جاء هذا القانون لينسف كل بصيص أمل خافت لدى البعض الآخر حيال رسمية الفصحى في إسرائيل، وهو ما أكدته الإجراءات القضائية والقانونية المتوالية، وآخرها ما أصدرته محكمة العدل العليا في البلاد؛ حيث أقرت في أكثر من مناسبة أن العبرية هي اللغة الأساسية، وهذا يعكس يهودية الدولة، فضلا عن أنه فتح الباب أمام تل أبيب لسن تشريعات تمييزية متطرفة استعمارية، تلغي الوجود الفلسطيني بالداخل، وتحرمهم من أي حق لتقرير المصير، أو أية حقوق جماعية شرعية، ولا يعترف بهم كأقلية قومية، لينتهك بذلك قواعد القانون الدولي؛ لأنه أطلق يد إسرائيل في الضفة الغربية بتأييد، وخصوصًا المساحات الواسعة من المنطقة «سي»، التي سبق للاحتلال منذ عام 1967 أن قام بإجراء مسح لها وللقمم والتلال التي كانت مصنفة أراضي ميري وأراضي دولة، أو أراضي موات، وأرضًا مشاعًا، وأدرجها تحت مصنف «أراضي دولة»، من دون أن يكون الآن محكومًا بضوابط القانون الدولي.

كما أنَّ الهدف من القانون في جزء منه هو التضييق على اللغة العربية وتنحيتها جانبًا، مزعزعًا مكانتها المنقوصة بالأساس داخل الدولة العبرية، ولكن رغم هذه الإجراءات تزايد الإقبال على تعلُّم العربية من قبل المواطنين، من خلال الذهاب إلى مراكز تعلُّم اللغات أو دراستها في المدارس.

وتفسيرًا لظاهرة تعلُّم اللغة العربية من قبل الإسرائيليين وتزايد أعدادهم واهتمامهم بها، مرجعًا بعض المحللين هذا التزايد إلى ضرورة معرفة الإسرائيليين واستعرابهم لمحيطهم العربي (الجغرافي والتاريخي) المجاور لهم؛ حيث تنبع رغبتهم في تعلم اللغة العربية بالأساس من معرفة كل تفاصيل العدو، بهدف تحديد نقاط ضعفه واستغلالها وقت الحروب، وبخاصة أن الدراسة لا تقتصر على اللغة فقط وإنما تتناول ثقافة الشعوب العربية والإسلامية، بالإضافة إلى التعمُّق في تفاصيل الشرق الأوسط وعاداته وتقاليده ونمط معيشته.

وتُعد هذه الاعتبارات الأمنية أحد أهم الأسباب وراء حرص الشعب اليهودي على اكتساب لغة الضاد، فمعظم الطلاب يطمحون إلى العمل ضمن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي لعبت دورا رئيسيا في الدفع باتجاه ضرورة تدريس اللغة العربية في المدارس اليهودية، لحاجتها إلى الكوادر المهنية التي تقرأ وتفهم اللغة العربية، وفي هذا السياق يشير الدكتور محمود محارب- أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس- إلى هذه الحقيقة، فيقول: «معرفة اللغة العربية تمنح المستوطنين اليهود أفضلية، وخصوصًا أنهم يتطلعون للوصول إلى مواقع مهمة في الجيش وأجهزة المخابرات العسكرية، واللغة تُعتبر المفتاح لذلك»، ويُضيف قائلا: «ليس من أجل التعايش مع العرب والفلسطينيين، بل بهدف دراسة عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، لتساعدهم في وضع استراتيجيات لمواجهتهم».

ويأتي هذا التوجه الإسرائيلي وفق خطط موضوعة ومدروسة؛ ففي عام 2018 تم فتح 260 تخصصا لتعليم اللغة العربية في الجهاز التعليمي، وخُصِّصَ برنامج لذلك أطلق عليه «المستقبل»، وحول أهمية هذه الخطوة قالت الدكتورة «ايتي امويل»- من مجموعة التدريب في فيلق المخابرات للجيش الإسرائيلي-: «إن دور متعلمي اللغة العربية اليهود هو حساس جدًا، لأن الطلاب يحبون اللغة ويريدون العمل بها في المستقبل، حيث يمكنهم الوصول إلى جميع الهيئات الأمنية».

وهذا البرنامج يهدف إلى تعليم الطلاب اللغتين العربية والفارسية في المدارس الثانوية، ومنحهم فرصة للتعرف على مسارات اللغة في جهاز الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، حتى يتم قبول بعضهم في وحدة 8200 (وحدة الاستخبارات الإسرائيلية المسؤولة عن التجسس الإلكتروني).

وعلى الجانب الآخر يفسر هذا التوجه الإسرائيلي والاهتمام بتعلم اللغة العربية واكتسابها في نظر البعض الآخر برغبة الشعب اليهودي في التعايش السلمي بين العرب، ويُشير «آريل أولمرت»- المدير التربوي لمدرسة «هامباسيا»، وهي إحدى مدارس تعليم اللغات في تل أبيب، وهو ابن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «إيهود أولمرت»- إلى ذلك فيقول: «إن هناك في إسرائيل ردة فعل مضادة للسياسة الرسمية القومية، وهو ما يفسر هذا الاهتمام بلغة الضاد».

ويعتبر «أولمرت» عدم تحدث اليهود للغة العربية أمرا سيئا، وأن حيثيات النزاع السياسي تقتضي تعلم العربية والتحدث بها من قبل محبي ومؤيدي السلام، يقول: «إن كون معظم اليهود لا يتكلمون اللغة العربية هو أحد الأمور السخيفة في المجتمع الإسرائيلي، لكن كلما ازداد النزاع السياسي قوة وعنفا يسعى الإسرائيليون المؤيدون للسلام في المقابل جاهدين لتعلم اللغة العربية والتحدث بها».

وإجمالاً، يُمكن القول: إن قانون الدولة القومية، وتأييد الأكثرية الإسرائيلية له، وتحت هذا الغطاء القانوني والإجراء الدستوري جاء ليرسخ الهوية اليهودية داخل الدولة العبرية، وفي الوقت نفسه جاء على حساب ديمقراطية إسرائيل لاختراقه قاعدة المساواة، التي تعتبر جوهر العملية الديمقراطية، حيث تنامت ظاهرة العنصرية والتمييز ضد العرب، باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، كما أن تزايد الإقبال على تعلُّم العربية على الرغم من إقرار قانون الدولة القومية المقوض لانتشارها، يرجع إلى حرص الطلاب اليهود على الالتحاق بالأجهزة الأمنية، التي تعتبر إتقان اللغة العربية بمثابة تأشيرة الدخول إليها، بالإضافة إلى اهتمام المدارس بتدريسها في المرحلة الإعدادية، حيث يتواجد حوالي 1200 معلم يدرسون اللغة العربية في جهاز التعليم، منهم 250 مدرسًا عربيا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news