العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المنجزات الحضارية البحرينية في توجيهات سمو ولي العهد

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

تعددت مفاهيم الحضارة، وتداخلت مع مفاهيم التراث، والثقافة على اختلاف العصور وتعدد الدارسين لها، فقد عرف ابن خلدون الحضارة بأنّها «التفنُّن بالترف، وإتقان الصنائع التي تم استعمالها في وجوه هذا الترف، كالبناء وما يُحدِثُه الإنسان على المنازل من تغييرات هو من الحضارة التي دعا إليها الترف»، فيما عرفها كتاب معاصرون بأنها «ذلك الكل المركب الذي يتضمن العادات والتقاليد والأخلاق والسلوك والعمران والحرف، ومختلف القدرات التي يكتسبها الإنسان كونه عضوًا في المجتمع». وهي على قسمين مادي يتمثل بالعمران وما أنجزه السابقون من أبنية ومعابد وغيرها، ولازالت أثارها قائمة وملهمة، وقسم معنوي يتمثل بالثقافة وما تحتويه من عادات وسلوك وتقاليد وفلكلور وغيرها. كما عرفت بأنها «النشاطات الإنسانية المتراكمة كالاستكشاف والاختراع، والتفكير والتنظيم من أجل استغلال الموارد الطبيعية المتاحة ليحقق الإنسان مستوى أفضل من الحياة». وتعد الحضارة حصيلة جهود الأمم كلِّها، فهي سلسلة مفتوحة النهايات من المنجزات الحضارية للأمم والشعوب عبر مختلف العصور. فيما عرف التراث بأنه «كل ما خلفته الأجيال السابقة للجيل الحالي في المجالات المادية والفكرية»، متضمنة مكونين الأول: التراث المادي وهو جميع ما أنجزته الأجيال السابقة ولازال شاخصا كليا أو جزئيا في مجال العمران، كالمباني العامة ومساكن قادة المجتمع وعلية القوم وصناع الرأي، والتي شهدت مآثر خلدها التاريخ، والمساجد، والقلاع والحصون، وأسوار وأبواب المدن، وأبنية المشاغل والمصانع، والسفن وورش بنائها، وأدوات تصنيعها، فضلا عن وسائط النقل الأخرى المختلفة، وأدوات الزراعة والصيد وغيرها.

 أما الثاني فهو التراث الفكري، وهو كل ما يتصل باللغة والأدب والشعر والفلسفة والأديان والقصص والحكايات والأمثال والأهازيج الشعبية، بالإضافة إلى الفلكلور والفنون والموسيقى والألعاب والحرف والمهن التقليدية. وحينما ينعكس التراث الفكري لأمة من الأمم في سلوك أفرادها فأنه يسمى بالثقافة، أي ان الثقافة هي محصلة مجموعة من المجالات الفكرية التي يقبلها أفرادُ المجتمع. وتعتز مختلف دول العالم بمنجزاتها الحضارية وتراثها وثقافتها الوطنية، فتهتم بتنظيم المتاحف وصيانة الآثار والمحافظة عليها، وتسعى إلى توريث أجيالها اللاحقة فلكلورها وصناعاتها وحرفها التقليدية، فتقيم لها المراكز والمعاهد التدريبية، بالإضافة إلى تدريسها للطلبة في المدارس والجامعات، وتضع الأطر المؤسسية المناسبة، والتشريعات الملزمة للحفاظ والاعتزاز بثقافتها الوطنية ولغتها القومية، وتنظم الملتقيات الدورية للاحتفاء بمنجزها الحضاري، فضلا عما تشهده أيامها الوطنية وأعيادها من اهتمام ملحوظ بفلكلورها وتراثها وثقافتها، وتسعى إلى إبراز تلك المنجزات للعالم اجمع باعتبارها مقومات هامة للسياحة الثقافية والتاريخية من جانب، ومن جانب آخر باعتبارها جزءا حيويا من الذاكرة الوطنية لتلك الشعوب، وبالاهتمام بها تعبر عن صدق ولائها وعمق ارتباطها ليس بحاضر ومستقبل بلادها فحسب، بل بماضيها العظيم. 

وفي مملكة البحرين تميزت القيادة الحكيمة بالمرئيات الايجابية للمنجزات الحضارية والفلكلور والثقافة والتراث والآثار وطنيا وعربيا وعالميا دون أدنى تشرنق في دوامة الماضي والعيش في أطره الساكنة أو الغرق في تفاصيله الصغيرة التي تحتمل تعدد الآراء واختلاف التقييمات، إنما تنظر إليه بما خلده من منجزات حضارية يمكن البناء عليها وعدها قاعدة لانطلاقة متجددة لمسيرة النهوض والتنمية والتلاقي مع معطيات العصر ومتطلبات التطور وضرورات المنافسة والتفاعل إقليميا وعالميا، واستسقاء الدروس الناصعة والعبر الحافزة للبناء والنهضة، وبتركيز على عوامل الوحدة الوطنية والبحث في العناصر التي وطدتها في الماضي، مقرونا بالتطلع إلى أفضل السبل الممكنة لتعزيزها في الحاضر والمستقبل، حيث إن البحرين بلد يمتلك حضارة عريقة متواصلة عبر مختلف الحقب التاريخية منذ عصور ما قبل التاريخ، حتى يومنا الحاضر، وتعبيرا عن ذلك يؤكد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، في لقاء سموه الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار في السادس من شهر نوفمبر الجاري، على «أهمية استمرار إبراز المقومات التاريخية للبحرين والحفاظ عليها لتكون شاهدةً على ما حققه الآباء والأجداد ومواصلة مسيرتهم لتحقيق المزيد من المنجزات التنموية التي تترجم رؤى وتطلعات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه»، وفي ذلك فإن سموه الكريم يعبر بأبهى تعبير عن حقيقة التواصل الحضاري بين الماضي العريق والحاضر المجيد والمستقبل الزاهر، قاطعا الطريق على القوى المعادية لاستقرار وتطور مملكتنا الحبيبة خصوصا وبلادنا العربية والإسلامية عموما، والتي تسعى إلى تجهيل المواطن بمكونه الحضاري وهويته الوطنية الجامعة المميزة، وإبعاده عن موروث وفلكلور الأرض التي ولد ونشأ عليها، والسعي لتزييفها، وفصله عن ثوابت وعادات وتقاليد مجتمعه، وجعله مغتربا في بلاده تحت شعارات الحداثة والتطور والديمقراطية، وصولا إلى السيطرة عليه وتسخيره لتنفيذ أجندات لا تمت له بصلة، منطلقة من معرفتها بخطر فهم التراث واستيعاب الشعب لمنجزه الحضاري، على مخططاتها، فلكل أمة لها تراث خاص بها، كما أن لها قيما فكرية واجتماعية تأصّلت في حياة القدماء وكانت جزءًا من سلوكياتهم الأصيلة، وهي خط صد يقي أجيالها الحاضرة من محاولات تشويه الهوية وتفتيت الوحدة، ويعزز من تماسكها الاجتماعي، عبر ما يفرزه من أعراف ومقومات تنظم سلوك وواجبات الأفراد وتحمي حقوقهم في المجتمع. فتحية لقيادتنا الحكيمة التي تستقرئ التاريخ الحافز للتقدم، وتستنطق الحضارة الخالدة، وتسعى إلى الحفاظ على قوة دفعها، إنها بحق القيادة التي تتجسد من خلالها الوحدة الوطنية، ويتعزز الأمل بغد مشرق ورفاهة دائمة وتنمية مستدامة، وشكر لله على نعمه ورضاه، وتضرعا إليه ان يديم الأمن والسلام والمحبة.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news