العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٠ - السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

مقالات

العظماء محاسبون أيضا

بقلم: د. جعفر الصائغ

الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

أطلق مؤخرا سراح لولا دا سيلفا بعد أن نفذ عقوبة بالسجن تجاوزت العام ونصف العام. هذا السجين كان رئيسا للبرازيل بين عام 2002 حتى 2011 ، وهو أول رئيس للبرازيل يساري ومن صفوف الطبقة العاملة الكادحة. كان ولا يزال يتغنى باسمه فقراء وأحرار العالم، فقد ملك قلوب شعبه صوره واسمه وخطبه مازالت تشغل برامج التواصل الاجتماعي، اختير كشخصية العام في 2009 من قبل صحيفة لوموند الفرنسية، وصنف بعد ذلك في السنة التالية بحسب مجلة تايم الأمريكية كالزعيم الأكثر تأثيرا في العالم، كما لقب بأشهر رجل في البرازيل من الجيل الحديث، بل ولقب بأشهر رجل في العالم وببطل الفقراء. 

حياة هذا الرجل ورئاسته وشهرته وسجنه دروس وحكم لكل من يعتبر، فقد عاش حياة صعبة وقاسية كانت كفيلة بأن تفقده الأمل وتملأ حياته بالخيبة والبؤس، ليصبح مثل ملايين الفقراء من البشر ضعيفا غير قادر على مواجهة مرارة الحياة ولا يستطيع التغيير. فقد عاش في أسرة فقيرة من المزارعين الأميين، لم يسعفه الفقر لإكمال تعليمه الابتدائي، بدأ العمل وهو في سن العاشرة اشتغل في عدة مهن بائعا للخضراوات وماسحا للأحذية وفي ميكانيكا السيارات، وعاملا بمصنع للصلب.

يقول دا سيلفا عن أمه التي أخلصت في تربيته «تعلمت منها كيف أمشي مرفوع الرأس». بعد وفاة زوجته الأولى انغمس في العمل النقابي عام 1969، وفي عام 1975 انتخب رئيسا لاتحاد عمال الصلب الذي يضم في عضويته 100 ألف شخص ليحوله من منظمة صديقة للحكومة الى حركة مستقلة قوية. وفي ثمانينيات القرن الماضي قام بتأسيس حزب العمال وهو أول حزب اشتراكي في تاريخ البرازيل. في السنة الأولى من رئاسته وضع يده على أهم القضايا التي تمس الوضع المعيشي للمواطن البرازيلي، وعلى رأسها التضخم والفقر الذي كان يعاني منه غالبية المجتمع البرازيلي. فعرف أن أسباب الفقر هي ليست محدودية الموارد الطبيعية والمالية وليس غياب الفرص الاستثمارية، وإنما هي سوء الإدارة والتخطيط وتفشي الفساد الاداري من أعلى السلطة الى أسفلها. وضع العديد من برامج الإصلاح الاجتماعي كما اتخذ قرارات استراتيجية جريئة منها مثلاً وقف عمليات تصنيع الأسلحة، وخفض نفقات التسليح وإبعاد المفسدين ومحاسبتهم. ونجح بذلك في القضاء على مشكلة الفقر تماماً كما أوصل البرازيل إلى مصاف الدول المتقدمة، حيث تحتل المرتبة الثامنة اقتصاديا على مستوى العالم، ونجح بذلك في تحويل الديون المتراكمة إلى فائض مالي يقدر بـ200 مليار دولار. جعل من بلاده قوة يحترمها الجميع ومكانة مرموقة بين الأمم. بعد النجاح الباهر في حل مشكلة الفقر واستقرار اقتصاد بلاده اهتم ببناء الجيش ليصبح من أكبر الجيوش في أمريكا اللاتينية. 

بعد انتهاء فترة رئاسته خرج الملايين من أنصاره في مسيرات جماهيرية يطالبون بتعديل الدستور ليستمر هو في الرئاسة، فخطب فيهم وهو يودعهم ناضلت قبل 20 سنة ودخلت السجن لمنع الرؤساء أن يبقوا في الحكم أكبر من الفترة القانونية فكيف أسمح لنفسي أن أفعل ذلك الان.

كل هذا الإنجاز المبهر والألقاب والشهرة والعظمة لم تشفع له ولم تمنع القضاء في بلاده من محاسبته ومحاكمته، وجهت إليه تهم الفساد وغسل الأموال، حيث اتهم بقبول رشوة من شركة أواس الهندسية على شكل شقة على شاطئ البحر مقابل المساعدة في الفوز بالعقود مع شركة النفط الحكومية بتروبراس، بالاضافة إلى قبول 3.7 ملايين ريال برازيلي رشاوى. قامت الشرطة بمطاردته قبل أن يلتجئ إلى مبنى لاتحاد عمال الصلب بعد انقضاء مهلة حددتها محكمة برازيلية لتسليم نفسه. وبالفعل سلم نفسه وتم اعتقاله في أبريل 2018، ليحكم عليه القضاء عقوبة بالسجن مدة تسع سنوات وستة أشهر. رفض دا سيلفا كل الاتهامات الموجهة إليه وأصر على براءته وقال حينها إنها تهم سياسية تهدف إلى منعه من خوض الانتخابات.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news